فلاحو عرابة يغنون للشمس لتغيب

يارا رمضان

مهندسون في عرابة

لم ألتقي الكثير من اهل عرابة في الاشهر الاولى من عملي فيها، أكثر ما كنت اعرفه عن عرابة هو منقوشة الزعتر الساخنة من فرن المحطة(1) على شارعها الرئيسي، وحجارة دار البدوي(2) الطرية -مكان الذي كنت اعمل فيه كمهندسة مشرفة على الترميم-. أدخل البلدة القديمة من ناحيتها الغربية بقصورها العثمانية، لا أعلم شيئاً عن الناحية الشرقية وسهلها الأخضر، أو عن قصصها الشيِقة وتواريخها المُتراكمة.
إلا أنني عندما عدت لعمل جرد للبلدة القديمة مع زميلي المهندس ماجد من بُرقة نابلس، دخلنا الكثير من المنازل في البلدة القديمة في عرابة، استُقبلنا فيها بمئات من فناجين القهوة والعصير، وآلاف الابتسامات والتحيات، هذا الكرم الذي لا يزال يفاجئني، لا تزال عرابة رغم كل ما تمر به البلاد من مشاق تحافظ على روح الكرم والضيافة الأصيلة. عشنا في بيت المرداوي كنا نستيقظ في الصباح الباكر على صوت ديكهم، نحمل معداتنا من خرائط وكاميرات وننطلق لنأخذ على الطريق خبز حار من الطابون، ونبدأ بالطرق على أبواب البيوت القديمة المسكونة، حين يصادفنا أحد يسألنا متى رح تيجو على بيتنا؟ الخبر انتشر في البلدة هناك جرد للبيوت القديمة، وأصبحت الناس تنتظر أن نزورها لتتعرف علينا وتدلنا على بيوتها التاريخية وقناطرها العتيقة.

شمس السهل

أحببت عرابة اليوم، وسهلها الخصب الأخضر، وقصورها الفسيحة، وساحاتها المُرممة، وأحببت أكثر بيوتها المهجورة منها المليئة بالنقوش، ومنها المعقودة بالقناطر ومسقوفة بغصون أشجار البلاد. لكنني أيضاً تمنيت بعد ما سمعت قصص زمان لو أنني أسافر بالزمن وأتنقل في جذر البلد المليئة بالحياة، وأن أمشي على القش المتناثر في شوارعها بين فلاحيها وأشتم رائحة الطوابين، وأن أمُرّ بالسهل فأراه مزروع بالقمح والسمسم والفريكة، مليء بالحصّادة يتصببون عرقاً ويغنون للشمس:
"أمر عليكي الرب يا شمس جاتلي، ريتك عجوز مريضة مواتي
ريتك طرشه لا تسمع حديث خواتي، أمر عليكي الرب يا شمس غيبي
ريتك عجوز ما تقوي، ومريضة لا تطيبي"
أو "يا حري قلبي قلَّعوني القطاني
وحمرة خدودك مع بياضك جفاني
يا حري قلبي قلَّعوني الكرسنة
(3) وحمرة خدودك مع بياضك جنَّني"

زفة القش

لم نتوقف فقط عند البيوت والقصور القديمة في البلدة، رغم تنوعها، وجمال المُرمم منها، وسحر المهجور فيها، بل وصادفنا قصص طريفة لن ننساها من ذكريات أهل عرابة الشخصية. منها قصة زفة القش التي روتها لنا الحجة فتحية، أم الحكواتي سعيد الحجة عند قدومها من عمان لأول مرة كعروس لتتزوج في قرية عرابة، وهي بنت مدنية لا تعرف في عيشة الفلاحين وتقاليدهم:
"وانا اول مجيت، أجيت ع دار سيدي بجنين، وانا عروس اجيت هون، طبعا بمشو العروس مشي من عند اللحام عند الجامع، وفي قش ع الطريق، وبعقلي اقول تمني صغيرة، كنو هاد القش بفرشو للعروس. وصلت الدار المعزوم فيها ونا ماشي على قش. خلص ما سالت، حتى اجو بدهم يزوقوني وأنا قلت بديش، بحبش هاي الشغلات وأنا عروس ولازم، وقمنا عملنا اللي بدهم اياه وجيبوني مشي ولازم افقس بيضة عالحيطة. فرشنا الارض برة بالحارة قش السمسم، بقلهم ليش قالو مشان ندعس عليه ويتكسر ونزبل فيه الطابون، عرفت عاد، وانا كنت أفكر للعرسان. وصرت ادير الطابون وازبل بالطابون واخبز بالطابون واحط فحم"

كلثوم في سهل عرابة

اليوم ومع اغترابنا في المدن التي شكلها الاستعمار والرأسمالية نشتاق كثيراً "لأيام زمان" وبنقول اااخ على أيام ما اجدادنا كانوا يقضون حياتهم في زراعة الأرض وفلاحتها وما يوكلو إلا منها، رغم رومانسية الفكرة، وجمال الحياة الفلاحية البسيطة، إلا أنها حياة الفلاحين والظروف التي كانوا يعشونها صعبة في "أيام زمان" وكلثوم العارضة امرأة عصامية و"فلاحة قوِيّ" روت لنا الكثير عن أطفالها العشرين، وخصت لنا بالذكر قصة من ولادتها عندما "ربعنت"(4) مع رضيعها ناصر، ارتدت ثوبها الأخضر الزيتي البسيط، المزخرف بورد صغير بذات اللون، وقت الحصيدة وسهل ووعر، تروح هي وزوجها يحصدو، تلف شرايط على راسها وتحمل ناصر على راسها ومرات على ظهرها، وتلقط بامية، ثم تعود بعد يوم شاق في السهل لتجد الطابون هامد تجمع فتافيت الخبز وترشها بالزيت والدقة لتخبزها عشاء لأطفالها، وتغني لهم حتى ينامو
"نام يما نام يا حبيبي
هلليلو هلليلو
يا حمامة الوادي
هاتي معاك نعاس
وعافية من الله للولادي
يا عينو نامي يا يما
يا عينو انعسي
والعمر كلو يا يما
ريتك ما تتعسي
يا عينو نامت يا يما
وعين الحق ما نامت
ولا عمر شدة يا يما
على مخلوق دامت"

اغتراب لاجئة في السهل

كلاجئة ولدت وترعرت في مخيم الدهيشة في وسط مدينة بيت لحم، رغم تعريفنا لهويتنا دائماً كلاجئين وفلاحين، إلا أن ما أعرفه عن حياة الفلاحين والزراعة قليل، فأنا حملت هوية الفلاحة كلاماً ولكنها سُرقت مني كما سرقت أرضنا، وسُلبت من هذا الإرث والمعرفة والهوية الفلاحية. رحلة عمليّ بعرابة فتحت أبواب فضول لديّ لأبحث في حياة جداتي في جراش وزكريا، ذكرتني فيهم كلثوم تلالوة (العارضة)، ولعلهن لو لم يكن مصيرهن لاجئات كن استمرين في الحصيدة مع أطفالهن محمولين على ظهرهن، يغنين للشمس كي تغيب عنهم قليلاً لعلهم اتقوا شرها.


1- المحطة منطقة على الشارع الرئيسي المؤدي الى مدينة جنين مروراً بعرابة، وسمي بالمحطة نسباً لمحطة القطار التي كانت موجودة هناك وهي جزء من سكة الحجاز في منطقة مرج بن عامر التي بناها العثمانيون.
2- دار البدوي: بيت يقع في المنطقة الغربية من البلدة القديمة في عرابة في جنين، وهو بيت فلاحي يتكون من طابقين، وثلاثة عقود حجرية، وهو بيت فلاحي مع ساحتين سماويتين، علوية وأرضية. تم ترميمه من قبل جمعية الروزنا ليتم استخدامه كمركز تفسير سياحي يعبر عن التراث الثقافي لبلدات عرابة، وبرقين، وصانور.
3- من مقابلة عملها أحمد حنيطي عن التراث الغير مادي في عرابة.
4- ربعنت: من أربعين والقصد بعد مرور أربعين يوم على الولادة، حينها عادة ما تكون الأم أقدر على الحركة والعمل

محتوى المدونة من مسؤولية جمعية الروزنا ولا يعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد الاوروبي