حارسات التراث

فنتينا شولي

"من شدة حبي للبيانو، رسمت بيانو على حجر بالفحم والطباشير البيضاء، وبلشت اتخيل حالي بعزف، أنا لهلا عقلي بالبيانو، كل ما أشوف حدا بعزف، بحس بشعور مختلف، لأنه كان نفسي أكون هيك شاطرة" تتحدث السبعينية نوال زيادة بسعادة تشوبها الحسرة عن حبها للدروس الموسيقية التي كانت تعطى في كلية بيرزيت قرب رام الله، ورغبتها الشديدة آنذاك في الالتحاق بصفوف البيانو التي كان يعطيها المدرس منير ناصر، لولا الظروف الاقتصادية التي حالت دون ذلك، فتكلفة الدرس كانت 5 دنانير، وهذا يفوق قدرة والديها المادية

ساحات كلية بيرزيت كانت مرتع الطفولة

رغم صعوبة الحالة المادية، إلا أن نوال سعيدة بطفولتها وعنها تقول "منزل عائلتي في المدرسة، وطيلة الوقت أمضيناه في ساحات المدرسة، سواء أيام الدراسة أو حتى في العطل الصيفية، فعلاقتنا كانت مع عائلة ناصر قوية، وكنت أساعدهم في المطبخ وفي كثير من الأشياء أيام الصيف"، ونوال حتى هذه الأيام تذكر بشكل جيد علاقتها وأسرتها في مدرسة بيرزيت، فهي تعرف زوايا المدرسة ركناً ركناً، وتذكر الساحة والأشجار ومقاعد الجلوس في الباحة الرئيسية التي جمعتها دائما بصديقاتها من عائلة الحسيني.
مدرستا الفنون واللغة الإنجليزية هما أكثر معلمتين تتذكرهما زيادة، وكلتاهما كانتا تسكنان في سكن الموظفات الخاص بالمدرسة، وكل يوم بعد انتهاء الدوام المدرسي، تذهب نوال لمنزلها قرب ساحة المدرسة، والطالبات للسكن الداخلي الخاص بهن داخل حرم المدرسة، والطلاب والموظفين إلى سكناتهم التي كانت قرب المدرسة (مكان معهد إدوارد سعيد حاليا).

"أبواب سكن الطالبات تغلق مساءً"

"كنا نذهب للمدرسة مرتين: صباحاً وظهراً، في الصباح طابور لا تتجرأ فيه أي فتاة على الحركة لأن مديرة المدرسة كانت تخيف الطالبات آنذاك" تقول نوال وهي تضحك مستذكرة قوة شخصية مديرتها أثناء طفولتها، وتتابع أن الجميع يتوجهون للصفوف حتى الظهيرة، ويعودون لمنازلهم أو غرفهم لتناول الغداء لمدة ساعة، ومن ثم يتابعون الحصص الدراسية حتى الساعة الرابعة، أما الفتيات في السكن الداخلي فكن يتناولن العشاء، ويتوجهن للنوم، لأن أبواب سكن الطالبات كانت تغلق في ساعة معينة، وحينها يمنعن من الخروج، حتى أن بعض الأسر كانت ترسل للفتيات كل ما يحتجنه حتى لا يخرجن، أما طلبة المناطق المجاورة فكانوا يذهبون يومياً للمدرسة في حافلتين وفرتهما المدرسة.
طيلة حديثنا كانت نوال تسمي مدرستها بالكلية معتبرة إياها أفضل من كافة المدارس الموجودة حالياً، لأنّها تعلّمت فيها الرياضة والفنون واللغات والمواد العلمية الأساسية والخط العربي، وكونت عدة صداقات مع فتيات من مناطق مختلفة ودول مختلفة، (كلية هنا تعني مدرسة، ففي اربعينيات القرن الماضي سميت المدارس كليات، واحتفظت مدرسة بيرزيت باسم الكلية حتى أصبحت جامعة لاحقاً).
أما جزء نوال المفضل في المدرسة فكان الرياضة، فهي بارعة في الجمباز منذ الصف الخامس، إذ قالت بحماس وضحك وهي تنظر إلى صورتين فقط بقيتا لها من المدرسة: الأولى في فرقة رياضية والثانية تظهر فيها متعلقة بحبال طويلة، إنها كانت عضوة في فرقة الخولة، وهي واحدة من الفرق الرياضية التي تشكلها المدرسة عند أي احتفال، للذكور والإناث، وكل فرقة لها قائد واسم تختاره المدرسة، ويطلب منهم تنفيذ عرض قبل بدء المسابقات، إذ دأبت المدرسة على إقامة مسابقات رياضية مختلفة سنوياً من أبرزها الحفل الرياضي السنوي إما في ملعب المدرسة أو في ملعب في جفنا، وكانت تتراوح الرياضات ما بين الجمباز والوثب الطويل والوثب العالي، والجري وكرة السلة، وغيرها.

المكتبة والأشغال اليدوية ملاذ الطلبة

"رغم انو عشنا حياة فقر، لكن والله كانت حلوة وكنا معبيين وقتنا مش مثل جيل اليوم"، أحبت نوال القراءة وكانت المكتبة المدرسية وجهتها المفضلة إما بالحصص أو ما بين الحصص، كما تعلمت التطريز في وقت الفراغ الذي رافقها منذ الطفولة وحتى اليوم، "عندي غرفة للخياطة والتطريز زي حسبة رام الله – في إشارة إلى امتلائها-" تنهض نوال بعد هذا الوصف لتحضر كيساً مليئاً بقطع الصوف المحاكة بألوان وأشكال مختلفة، فهذا غطاء للسرير، وذاك فستان لطفلة حديثة الولادة، وقطعة أخرى ملونة توضع على طاولة الوسط.
كان التطريز وحياكة الصوف فناً تتعلمه النساء فقط، وتحرص كل أم على نقله لبناتها كما فعلت نوال، التي واظبت على تعلم مهارات جديدة بعد تخرجها من المدرسة، إذ أتقنت الخياطة وصممت زي التخرج لطلبة مدرسة دير اللاتين في بيرزيت التي ما زالت تستخدم حتى الآن في المرحلة الأساسية الأولى، متابعة وهي تحمل غطاءً من الصوف، وملابس صغيرة لأحفادها أنها استثمرت وقتها لحياكة هذه القطع خلال الإغلاقات المرتبطة بكورونا.

الكلية تحولت تدريجياً لجامعة متوسطة

بالنسبة لنوال فهي محظوظة لأنها حصلت على فرصة لاستكمال تعليمها الإعدادي والثانوي في مدرسة طاليثا قومي الداخلية في بيت جالا، بعد أن بدأت الكلية بإلغاء الصفوف الابتدائية عام 1961، وأضافت صفاً جامعياً، وتحولها لاحقاً عام 1966 إلى جامعة تعطي تعليماً متوسطاً أي الصفين الجامعيين الأول والثاني، فقلة من الأهالي كانوا يرسلون بناتهم إلى مدارس في مناطق بعيدة مثل مدارس الفرير في القدس وغيرها، ومعظمهم من المقتدرين مادياً، وهذا تفسره نوال بأن الأهل بشكل عام كانوا يميلون لأن يساعدهم أبناؤهم وبناتهم في الزراعة، لأن الأراضي الزراعية في بيرزيت كانت واسعة جداً، على عكس المشهد حالياً المليء بالمباني.

مبنى المدرسة من شواهد ذاكرة طلبتها

بعد تجولنا في ذكريات نوال في المدرسة وفصولها الدراسية، اختتمت حديثها بأمنية أن يرمم المبنى القديم ويستخدم كمدرسة صناعية مهنية بدل أن يتهالك فينهار كأنه لم يكن، حاملاً معه قصصاً للكثيرين ممن شكلت هذه الكلية (المدرسة) محطة مهمة في حياتهم، ومنهم نوال التي ترعرعت وإخوتها ودرسوا في ساحات المدرسة وعملت والدتها وزوجها فيها، بل وسكنتها عائلتها حتى عام 1976.

محتوى المدونة من مسؤولية جمعية الروزنا ولا يعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد الاوروبي