سارة أبو الرب

لمحة تاريخيّة

إلى الشمال الغربي من محافظة نابلس، تقع عاصمة الرومان في فلسطين: سبسطية. وتعرف البلدة بقدم العيش الإنساني فيها، فمرّت بها حضارات وأقوام مختلفة كالكنعانية والهيلينستية والرومانية. تتميز سبسطية بموقعها الجغرافي الذي يربط نابلس وطولكرم وجنين، إذ إنها ممر لخط سكة الحديد التي بناها العثمانيون لتصل فلسطين بالحجاز، إذ تقع سبسطية على المقطع الواصل بين نابلس وجنين. كما أنها تقع على طريق الحج المسيحي من القدس وبيت لحم وبئر يعقوب والناصرة.
وتضم سبسطية مواقع أثرية ودينية. وتمتاز بوجود سور يلف المنطقة الأثرية من كافة الاتجاهات، حيث ما زال المدرج الروماني وبرج هيلانة ومعبد أغسطس شواهد على أهميّة سبسطية في التاريخ الروماني. ويعتقد أن سبسطية تضم قبر النبي زكريا وكنيسة القديس يوحنا المعمدان.
في نهايات القرن التاسع عشر، تم مسح بلدة سبسطية والمدينة الأثرية فيها لأول مرة ضمن حملة استكشافية قادها كوندر وكتنشر . تلتها البعثة الأولى لجامعة هارفارد عام 1908 التي كشفت عن بقايا قصر وغرف سكنية وجدران.
وفي الثلاثينيات من القرن الماضي، بدأت البعثة الأثرية المشتركة عملها في بلدة سبسطية، لكنها كانت مدعومة بشكل مباشر من صندوق استكشاف فلسطين الذي خدم الحركة الصهيونية في بداية استعمارها لفلسطين. أرجعت البعثة المشتركة لجامعة هارفارد بين عامي 1908 و1930، والتي اعتمدت النصوص التوراتية كمرجع، تاريخ بقايا قصر وبقايا جدارين متوازيين تم اكتشافهما في حقبة مدينة السامرة. كشفت البعثة أيضاً عن جزء من قنوات المياه الخاصة بالمدينة، إضافة إلى المدرج الروماني، ومجموعة من المقابر الرومانية خارج حدود سور المدينة القديمة، إلى جانب مجموعة من الآبار في منطقة راس التل.
بعد أعوام عديدة، بدأت حملة التنقيب الأردنية بين الأعوام 1965-1967، والتي توقفت بعد احتلال الضفة الغربية في العام 1967.
بعد حرب عام 1967، عملت سلطات الاحتلال على تشويه أجزاء من الموقع الأثري، وبناء سلسلة حجرية لتكون واجهة للمدرج (المسرح) الروماني الذي يفوق عمره ثلاثة آلاف عام. وفي عام 1976، نقل الاحتلال القبور الملكية من وسط البلدة للساحة الرئيسية (البازليكا) لإفقار أهميتها كمقبرة. وسرق الاحتلال أعمدة وتيجان وجلسات أثرية وتمثالين ضخمين من مقام النبي يحيى ونقلها إلى متاحفه.
بعدها لم تجرِ إلا عمليات بسيطة للتنقيب، منها في المقبرة الملكية، ولكن وبسبب نقص التمويل والميزانيات المخصصة من السلطة الفلسطينية، وعدم قدرة أهالي سبسطية على حماية الآثار من السرقات، لأنها تحتاج إلى حماية خاصة، بالإضافة إلى أن جزءاً كبيراً من المنطقة الأثرية يقع في المنطقة (ج)، وهذا يجعل عملية تدخل الشرطية الفلسطينية صعباً، إذ تحتاج إلى إذن إسرائيلي" للتدخل في حال التبليغ عن لصوص آثار".

سبسطية بعد أوسلو

بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، ضم الاحتلال جزءاً من البلدة إلى المنطقة (ج)، وهي المنطقة التي تحتوي على معظم المواقع الأثرية في البلدة، وهي: ساحة البازيليكا، والقصر الملكي، والبرج الهيلينستي، ومعبد أغسطس، والمسرح، وشارع الأعمدة، والملعب. كما يقع في المنطقة "ب"، عدة مواقع أثرية أهمها المقبرة الرومانية، وضريح النبي يحيى ومسجده، وكاتدرائية يوحنا المعمدان، وقصر الكايد. وبموجب ذلك منع الاحتلال إقامة أي مشاريع فيها، وأعاق أعمال الصيانة والترميم. ورغم أن القسم الآخر من المنطقة الأثرية بقي تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، إلا أن الأخيرة تفتقر إلى سياسات واضحة تهدف للتنقيب عن وتطوير المواقع الأثرية في البلدة، كما تفتقر إلى المصادر اللازمة لذلك.
وفي العام 2012 أزيل مكتب تابع لسلطات الاحتلال داخل الموقع الأثري في المنطقة المصنفة (ب)، إذ كان يستخدم لمراقبة جباية الأموال من التذاكر عبر المسارات والمعابر السياحية الدولية من الوافدين على الموقع الأثري.
وعام 2015، أعلنت جامعة مستوطنة "أريئيل" وجامعات شريكة عن نيتها بدء مشروع حفريات وتنقيب تهويدي في قلب المنطقة الأثرية في البلدة. وقوبل المشروع بحملات شبابية وشعبية واسعة تمكنت من الضغط لوقفه في حينها.
بحسب رئيس بلدية سبسطية محمد العازم، يعمل 80 شخصاً في سبسطية في السياحة، فيما يعمل 15 شخصاً بشكل متقطّع وموسمي في السياحة. ولا توجد أرقام رسميّة بشأن مساهمة سبسطية في الدخل القومي من قطاع السّياحة.
واعتادت سبسطية استقبال السيّاح الدوليّين قبل جائحة كورونا بمعدل 140 ألف سائح سنويّاً، أكثر من 60٪؜ منهم من كوريا الجنوبية والبقية موزّعون من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة. كما تنظم مسارات سياحة محليّة عديدة لسبسطية تتركّز في عطل نهايات الأسبوع وبمعدل 150 ألف زائر سنويّاً، بحسب عازم.


انتعاش في كورونا

عام 2020، افتتحت بلدية سبسطية مشروعاً لإعادة إحياء المركز التاريخي "ساحة البيادر/ البازيليكا"، الذي يضمّ مجموعة من الأكشاك التي تقدم خدمات الأكل والشراب وما يحتاجه الزوّار من خدمات ومرافق. وبالفعل نجح المشروع في اجتذاب الزوّار المحليين بالأساس، لأنه ترافق مع الحجر الصحّي خلال جائحة كورونا، وبما أن سبسطية ضمن المناطق المصنفة ب و ج، فلم تكن للسلطة الفلسطينية صلاحيات فرض الإغلاق فيها، لذلك كانت الملاذ لكل من أراد قضاء الوقت في الهواء الطلق من منطقة نابلس ومحيطها. المحزن أن ذلك كله تغير بعدما رفع حظر التجوال وعاد الاحتلال لينغص على الزائرين سهراتهم من خلال اقتحاماته المفاجئة التي يتخللها إطلاق قنابل غاز وصوت ترعب الأطفال والكبار.

مشروع قديم جديد

في مايو/ أيار 2023، أقرّت حكومة الاحتلال تخصيص 32 مليون شيكل (نحو 9 ملايين دولار) لترميم موقع سبسطية الأثري بحجّة "أن السلطة الفلسطينية تحاول الاستيلاء على الموقع الأثري -حديقة سبسطية- بشكل غير قانوني".

وبحسب المقترح، ستعدّ سلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية خطة إعمار وترميم للمكان خلال 60 يوماً، بما في ذلك إقامة مركز سياحي يهودي في المكان. ويشمل ذلك شق شارع التفافي داخل المنطقة الأثرية ليسهّل ويؤمّن حركة المستوطنين حصراً، ووضع شباك وسياج وكاميرات حماية وبرج عسكري داخل المنطقة الأثرية، بالإضافة للتنقيب عن قبور "أجدادهم"، بحسب المقترح. علماً أن جزءاً من الموقع المستهدف واقع في المنطقة المصنفة (ج). ومع إتمام المخطّط سيستولي الاحتلال على نحو ألف دونم من أراضي البلدة، وفق رئيس بلدية سبسطية محمد عازم.

ويصف عازم المشروع بأنه "الأخطر على الإطلاق"، لأنه سيفرض السيطرة الكاملة على المنطقة الأثرية بحجة أنها في المنطقة ج، علماً أن المسافة بينها وبين المنطقة ب لا تزيد عن متر واحد فقط.
يمارس الاحتلال جملة من الانتهاكات بحق بلدة سبسطية. ويلخّص الناشط والدليل السياحي زيد الأزهري أبرز الانتهاكات بالنّقاط التّالية:
1. سرقة آثار: ومن آخر السرقات التي نفّذها الاحتلال كانت مغارة رومانيّة بها توابيت حجرية تعود للفترة البيزنطية. ومن أهم السرقات من سبسطية كانت عام 1987، حينما سرق الاحتلال تماثيل تصوّر قصة قتل يوحنا المعمدان من الكنيسة الكاتدرائية الرومانيّة.
2. منع العمل في الموقع الأثري: الأصل أن تتحمل دولة الاحتلال مسؤولية حماية المواقع الأثرية، إلا أنها تهمله وتمنع صيانته وحمايته من قبل الفلسطينيين. في مارس /آذار 2203، حاولت طواقم البلدية تنظيف منطقة السوق التجاري القديم في شارع الأعمدة، إلا أن قوات من جيش الاحتلال والإدارة المدنية اقتحمت المكان ومنعت الطواقم من الاستمرار بالعمل. وفي عام 2016، حاولت البلدية ترميم أرضية المحكمة الموجودة في البازيليكا، لكن قوات الاحتلال داهمت الموقع واعتقلت الطواقم العاملة.
3. منع الشرطة الفلسطينيّة من العمل: نظراً لأن الموقع الأثري يقع في المنطقة المصنّفة (ج)، فإن ذلك يشجّع سارقي الآثار المتعاونين مع الاحتلال، إذ لا يمكن منعهم بسبب عدم السماح للشرطة الفلسطينية بالتحرّك في الموقع في حال تم الإبلاغ عن عمليّات سرقة أو تنقيب
4. الحرب على الرواية: يعمل الاحتلال وبشكل ممنهج على تزوير تاريخ ورواية البلدة، وهو ما يعتبر انتهاكاً للقانون الدولي لمواقع التراث البشري. كما أن التزوير يطال طمس المعالم الأصلية والعبث بمكونات الموقع الأثري. وهنا نذكر حفريات جامعة أريئيل، التي أجرت حفريّة أوليّة بالتعاون مع دائرة الآثار "الإسرائيلية"، وتسبب ذلك بإزالة الجدار الأصلي في شمال ساحة المدرج الروماني. وتم وضع سنسال حجري جديد مبني من حجر غير ملائم لطبيعة الموقع. وهو ما تسبب بتدمير قناة تصريف المياه. وحتى اليوم يواجه المسرح مشكلة في التصريف خصوصاً في أيام الشتاء. إذ تمتلئ ساحته بالمياه، وهو ما يهدّد وجود الساحة على المدى البعيد.
وتعمل الحكومة الفلسطينية من خلال وزارة السياحة والآثار على إعداد رسالة موجّهة لليونسكو حول خطورة المشروع مطالبة المنظمة بالتدخل لمنع إقامته. علماً أن الحكومة تقدمت منذ ثلاث سنوات للمنظمة بطلب إدراج الموقع في لائحة التراث العالمي، بحسب مسؤولين في وزارة السياحة .
ومن جانبه، يوضح مدير الفعاليات في وزارة السياحة أحمد دعّاس، أن الوزارة تركز على أنشطة وبرامج لدعم المنتج المحلي والحرف والصناعات اليدوية في سبسطية، وتنظّم فعاليات متنوعة لترويج البلدة خصوصاً تلك المرتبطة بالسياحة الداخلية. ويشمل ذلك الترويج للموقع السياحي وأهميته وإنتاج مواد صحفية وبصرية توعويّة وتنظيم ورشات إعلامية وتوثيق انتهاكات الاحتلال بحق الموقع الأثري. كما تنشط الوزارة في ترميم المواقع الأثرية في البلدة، بالتعاون مع مؤسسات محلية ودولية مثل برنامج الأمم المتحدة للإنماء UNDP ومركز رواق وصندوق البلديات. وتلتزم الوزارة بالإشراف على مشاريع الترميم ضمن شروط ومعايير هندسية وبإشراف مختصين. ويشير دعاس إلى أن العمل ما زال في "مرحلة الاستكشاف" فهناك الكثير من الشوارع والمباني في سبسطية التي تحتاج لترميم وصيانة. ويشدّد دعّاس على صعوبة تنفيذ أعمال الترميم في سبسطية بحكم وقوعها في المنطقتين ب وج، مبيناً أن جيش الاحتلال يمنع العمل ويصادر المعدات بشكل مستمر، بينما يسمح لدائرة الآثار الإسرائيلية بالاستكشاف والعمل ووضع الميزانيات الضخمة للعمل في المكان والسيطرة عليه.

وفي حال نفذ المشروع، ستكون ضربة قاسية جديدة لسبسطية، ستقضي على قطاع السياحة في البلدة، وستدمر المنشآت الاقتصادية لعشرات العائلات في سبسطية المعتمدة على السيّاحة. ويأتي ذلك في ظل محاولات مجلس المستوطنات المستمرة لوضع برنامج اقتحامات منظمة للمواقع الأثرية في البلدة.
وبينما يدمر الاحتلال البنية التحتية للسياحة والاقتصاد في سبسطية، يعمل المستحيل للتسهيل لمستوطنيه وصول البلدة وتثبيت وجوده فيها وذلك من خلال مشروع لربط الموقع الأثري بمستوطنة "شافي شمرون" عبر طريق التفافية حول الموقع، وتأسيس فنادق في مستوطنة "شافي شمرون".


المصادر:

أسامة حمدان وكارا بينللي، دليل سياحي - سبسطية (2012).
للمزيد حول البعثة الاستكشافية يمكن مراجعة:
Conder, Claude R., Horatio Herberrt Kitchener, and Edward Henry Palmer. The Survey of Western Palestine. 1. Memoirs of the Topography, Orography, Hydrography, and Archaeology. 1. Sheets 1-6 = Galilee. London: Committee of the Palestine Exploration Fund, 1881.
لؤي محمد أبو السعود، "تاريخ وآثار مدينة سبسطية الأثرية"، ص9.
المصدر السابق.
للمزيد حول الصندوق يمكن مراجعة: محمد شعبان، "استكشاف فلسطين... الصندوق الذي مهّد لتوطين اليهود في الأراضي المقدسة"، موقع رصيف 22 الإلكتروني، 20 حزيران، 2019، https://ury1.com/L1KU5.
أسامة حمدان وكارا بينللي، ص11.
لؤي محمد أبو السعود، "تاريخ وآثار مدينة سبسطية الأثرية"، ص9.