محمود جودة -28\12\2022

شريان من شرايين الجغرافيا ممتد من أزمنة التاريخ والحضارات القديمة حتى أيامنا هذه، حوادث كثيرة مرت على وادي غزة الذي يعد من أكبر الأودية في فلسطين التاريخية بطول 90 كم، حيث يمتد من جبال النقب والخليل حتى مصبه في البحر المتوسط في منطقة الزهراء.
يمتد وادي غزة من قلب صحراء النقب في جنوب فلسطين حتى جنوب مدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة قبل أن تصب مياهه داخل القطاع، يمتد الوادي داخل قطاع غزة على مسافة تسعة كيلومترات من حدوده الشرقية مع "إسرائيل" إلى شاطئ البحر غربًا.
كان الوادي متصلًا بشكلٍ حيوي حتى بنى الاحتلال السدود على مجراه فتم منع وصول مياه الأمطار من أودية مثل الشعرية والرشراش والسَّموع والخليل وغيرها حيث تُقدّر كميتها المائية بـ 25 إلى 30 مليون متر مُكعب خلال فصل الشتاء وما بعده، من التدفُّق نحو الوادي وتغذية الخزان الجوفي للقطاع.


شكل هذا كله عائق كبير لوصول مياه الأمطار لوادي غزة، مما تسبب في جفافه طوال العام وتحوله إلى مصرف للمياه العادمة التي حولت المنطقة كلها إلى مكرهة صحية مؤذية للسكان وللمارين من جانبه. منذ قديم الزمان كانت تنشأ الحضارات على ضفاف الأنهار والوديان، ولم يكن وادي غزة خارجًا عن هذا السياق الجغرافي ونظرًا للخصوبة التي تمتعت فيها التربة حول ضفتي وادي غزة وتوفر المياه العذبة التي تلزم الإنسان في الشرب والري الزراعي، وسيما قربه من شاطئ البحر عند المصب ووقوعه على الطريق القديم الذي كان يربط مصر في الجنوب بفلسطين وسوريا والعراق وعرف ذلك الطريق بطريق حورس عند المصريين القدماء لذا كانت منطقة الوادي من أكثر المناطق الفلسطينية جذبًا للسكان منذ العصر الحجري النحاسي (4500-3200ق.م )
السير على ضفتي الوادي يظهر بقايا أحجار قديمة وخرائب أتلفتها عوامل التغير المناخي والإهمال في مسافة 9 كيلو متر وهي نصيب قطاع غزة من طول مجرى الوادي الذي تمتد عليه الكثير من المواقع الأثرية في الجانب المحتل منه، كما وتبين من خلال نتائج الكثير من الحفريات وعمليات التنقيب أن هناك مدن وحضارات قد شيدت في منطقة الوادي خلال العصر البرونزي كما أوضح الخبير في شؤون الآثار الأستاذ فضل العطل في حديث سابق معه، أن هذه المنطقة عبارة عن منجم أثري كبير يحوي الكثير من العملات الفضية والأواني الفخارية، وهذا ما دفعنا قبل سنوات للمشاركة في الاحتجاج على محاولات تجريف هذا المكان لغرض البناء السكني وأن ما يؤكد ذلك هو وجود العديد من القطع الأثرية الفخارية والخرب التي هجرها سكانها بفعل التغيرات المناخية والحروب، مثل تل العجول الذي يبعد مسافة ثلاثة كيلو مترات من مصب الوادي في البحر المتوسط والذي يعد من أقدم المناطق الدالة على وجود استقرار حضري في وادي غزة وقد اختار الكنعانيون 3200ق.م هذا المكان ليكون مقرًا لاستقرارهم في العصر البرونزي لما له من أهمية لوقوعه على طريق حورس القديمة.


على امتداد الوادي غربًا يقع موقع "تل السكن" الذي يعد أكبر مدينة كنعانية محصنة في جنوب فلسطين، في منطقة وادي غزة بالقرب من مدينة الزهراء الجديدة، وقد تم اكتشافه بالصدفة أثناء تجريف الرمال فوق التل لإقامة وحدات سكنية هناك، حيث تحتوي الطبقة الأثرية السفلى فيه على أطلال أكبر وأقدم مدينة كنعانية مسورة ومحصنة يتم اكتشافها في جنوب غرب أرض كنعان حتى ذلك التاريخ.
عادت منطقة وادي غزة لتنهض من جديد خلال العصر الروماني- البيزنطي، فشيّد سكانها القرى، فعلى الضفة الجنوبية للوادي، عند نهايته الغربية يوجد موقع آثار خربة أم التوت؛ حيث تم الكشف أيضًا عن أجزاء من مكان يعتقد أنه مكان ميلاد القديس هيلاريون؛ 291م أكتشف هذا الدير بالصدفة عام 1991م أثناء عمليات حفر وتسوية للأرض في موقع تل "أم عامر"، وقد تم الكشف عن كافة أجزاء الدير وهو يضم صالات وغرف نوم وخدمات تغطي أرضيتها فسيفساء ملونة، وبقايا دواليب كانت تستخدم لعصر الزيت.
في عام 747م حدث في تلك المنطقة زلزال كبير جدًا أسفر عن تدمير الكثير من أجزاء التل وتوقف البناء فيه مما أدى إلى حالة نزوح توقف على إثرها التطور الحضري في وادي غزة حتى قدوم العصر المملوكي الذي بدأ في إعادة الحياة والاهتمام بتلك المنطقة حيث بدأ الاهتمام بمنطقة الوادي، فقد أنشأ السلاطين مجموعة من الاستراحات على ضفاف الوادي كانت مهمتها الأساسية خدمة المسافرين على طريق مصر مثل مسطبة السلطان المؤيد شيخ، التي أنشأها فوق تل العجول في منطقة المغراقة، ومع تلك الاستراحات بدأ الناس بالإقامة حولها وعادت الحياة والعائلات لتمارس حياتها الطبيعية بشكل تدريجي.
يشكل اليوم وادي غزة حالة استثنائية في قطاع غزة بصفته المجرى المائي الوحيد في القطاع، ومؤخرًا شكلت بعض الفرق الشبابية حالة مطلبية من خلال زيارات إعلامية لوادي غزة من أجل إعادة إحيائه كمنطقة سياحية ومحمية طبيعية ومن أجل دعم الجهود المبذولة من قبل الدول المانحة التي تهدف إلى إعادة تأهيله ليصبح محمية طبيعية.