تعد هذه المقالة جزء من بحث موسع عن حرفة النول في فلسطين

إعداد الباحثتين: صابرين عبد الرحمن و هدى عودة

نسج النول ومركزية المرأة في العائلة

كانت حرفة الغزل والنسيج بالنول تشكل العمل الرئيسي للنساء البدويات في حين أن الرعي وجز الصوف كان مهنة الرجال، وهذا الدور "يمنح المرأة موقعها المميز في العائلة حيث هنّ من يؤمنّ وجود البيت وحمايته صيفا وشتاء من خلال الأغطية المنسوجة". وبفقدان هذه الممارسة نتيجة التهجير القسري، أو الاستقرار في بيئة حضرية، تفقد المرأة الكثير من موقعها المركزي وشخصيتها ودورها في بناء منزل العائلة ، وهو ما حصل أيضاً مع النساء البدويات في النقب وكذلك مع النساء ممّن هجرن واستقر بهن الحال في منطقة الخان الأحمر وأريحا.
كذلك في السموع، فلا تزال النساء هن من يقمن بكل مراحل الإنتاج، إلا أن الرجل يقوم بالرعي وجز الصوف وتوفيره للنساء كما أكدت السيدات التي تم مقابلتهن، علماً بأنه سابقا (1943-1944)، وحسب كروفوت فإن بعض الرجال الفلاحين كبار السن، كانوا يساعدون في عملية الغزل" وأشارت النساء من السموع بأنه سابقاً، كان يتم العمل بشكل تعاوني بين العائلات خاصة للأعراس لإنجاز المزودة والبجاد للعرسان وبقية جهاز البيت، وكنّ يتشاركن في إعداد الطعام أثناء العمل إضافة إلى مرافقة الأغاني المتعلقة بالعرس والحنة وذلك أثناء النسج. وأكدت النساء على اختفاء هذه الممارسات نتيجة اختلاف التقاليد الاجتماعية والطقوس الجديدة في تنظيم الأعراس أو المناسبات المجتمعية التقليدية.
لم يتم ذكر أي دور للأطفال أو الشباب في هذه الحرفة، مع تأكيد النساء أثناء المقابلات بأنه لا يوجد أي اهتمام من الفتيات لتعلم الحرفة في الوقت الحالي، وبالتالي فإن معرفة الحرفة يقتصر على السيدات فوق سن الـ 60 عاما، وهو ما يهدد اختفاء الحرفة مع مرور الوقت. كذلك أكدت لارا سلعوس في مقابلتها بأن "المعرفة المتوارثة لدى السيدات البدويات أصبحت متقطعة أو اختفت، إذ قد لا تجدين بين كل عشر سيدات، واحدة فقط ممن لديها معرفة أو ممارسة سابقة بالغزل والنسيج" .
أما دور الرجل في هذه الحرفة فيقتصر على الرعي والعناية بالماشية طوال العام وكذلك جز الصوف وإحضاره كمادة خام، إذ يقوم صاحب الماشية ببيع الجزة/الصوف للسيدات حيث يشكّل مصدر دخل لأصحاب الماشية، علما بأنه يتم التخلص حالياً من الفائض من أو معظم الصوف نتيجة قلة الطلب بعد بيع الكمية المطلوبة.

تقاليد وقيم كانت ترافق ممارسة حرفة النول

ومن الممارسات قديما في السموع كان إنتاج المزودة أو الحجرة للعروس كجزء من الجهاز، والبجاد للعريس لتجهيز بيت الزوجية.وكانت هناك بعض العادات في السموع مثل لفّ السيدة المتوفاة بالمزودة، وعند دفن السيدة يتم التبرع بالمزودة للمسجد، ولفّ الرجل المتوفي بالبجاد ومن ثم يتم التبرع بها للجامع .اختفت هذه التقاليد اليوم، ولم تعد هذه الإنتاجات جزءاً من جهاز العروس، لكن لا تزال النساء كبيرات السن تحتفظن بالقطع التي كانت جزءاً من تجهيزات بيت الزوجية أو ورثنها عن الأمهات.
أما بسبب التغيرات التي طرأت على واقع الزراعة، وعزوف الكثيرين عن زرع المحاصيل القديمة مثل القمح، والسمسم والذرة، وقلة الإنتاج من هذه المحاصيل، فاختفت الكثير من الممارسات الزراعية والبيئية وبالتالي القطع المستخدمة مثل "المخلاة والكنف والفردة" واستبدالها إن لزم الأمر بأدوات أقل سعراً وأكثر توفراً ولا تحتاج إلى جهد في غزلها ونسجها.
وعند البدو تعتبر ممارسة حرفة النول مساحة للمشاركة والتعاون، "كان يتم وضع نول واحد يخدم العشيرة جميعها حيث يوضع في مكان متوسط بين كافة بيوت الشعر، وكان العمل يتم بشكل تشاركي بين النساء حيث تتشارك النساء في عملية النسيج لبعضهن البعض، كما يتشاركن في إحضار الطعام والشراب للمتواجدين مما هو متوفر في بيوتهن"، ومن أشكال المشاركة أيضاً إهداء الصوف للآخرين في حال تزويج الابن، حيث كانت تشارك العشيرة في توفير الصوف للتجهيز للعرس. كما كانت حرفة النول مساحة أمان للتعبير عن الذات والمشاعر دون توجيه أي انتقاد لهذه المشاعر، فكان يرافق العمل الأحاديث والأغاني التي تعبر فيها النساء عن مشاعرهن، فكنّ يصفن الحبيب والأخ والأهل، ويعبرن عن مشاعرهن تجاه الغربة، تصل بهنّ الأمور حدّ البكاء.

'مريم أبو داهوك/ مخيم عقبة جبر- أريحا' كانت النساء "تهيجن" أثناء النسج، ومن "الهِيْجَنة" (لون من ألوان الغناء البدوي) التي كانت "تهيجنها" النساء: "يا مريم كنك غريبة هلّي من الدمع هلي" ويا مريم كنك غريبة هلي من الدمع جرة.. من العيد للعيد تيطلّوا عليك مرة"- هذه "الهِيْجَنة" كانت تُغنّى للعروس عندما كانت ستتزوج في مكان بعيد، وذلك حتى تبكي لإزالة الحزن من صدرها، هذا كان بمثابة الطبيب النفسي لنا"

'مريم أبو داهوك/ مخيم عقبة جبر- أريحا' ومن "الهِيْجَنة" التي كانت "تهيجنها" النساء: "واشرفت أنا بعالي المِشراف.. وأن العرب بالدومة ومِنْ بِعْتكم يا هَلِي.. طبّت بعظامي سومة" هذه "تهيجن" عندما تكون المرأة متزوجة في منطقة بعيدة، حيث كانت تصف البعد عن الأهل.

كما كان يتم بناء كافة الخيمة للعرسان من القطع المنسوجة والمصبوغة باللون الأحمر.
وتؤكد كروفوت في مقالتها على أن "النساء يبدأن بالحديث والنميمة مع بدء عملية النسيج والتي كانت سهلة وبسيطة بالنسبة لهن، مع التأكيد على البدء بالبسملة والدعاء لله قبل بدء عملية النسج" . مع اختفاء الحرفة وقلة ممارستها، فإن النساء لا يجدن فسحة للتحدث والترفيه في البيئة الطبيعية كما كانت عليه، مما يسبب لهنّ الإحباط.


Handicrafts in Palestine – Grace M. Crowfoot: Jerusalem Hammock and Hebron Rug
Palestine Exploration Quarterly 1944