محمود جودة - 28\12\2022

مدينة وادعة أشبه بحديقة كبيرة، هذه هي دير البلح التي تشتهر بأشجار النخيل التي تلف المدينة من كل جوانبها وتمثل حلقة من الحراس حولها، تلك المدينة التي ولدت على شاطئ البحر عندما بنى الراهب هيلاريوس خلال فترة الحكم البيزنطي أوّل دير في فلسطين، في البداية كان البناء كوخاً صغيرًا، ثم حوله إلى صومعةً في عهد قنسطانطيوس الثاني (337 - 361) كبر الدير وتحول إلى مزار لما اكتسبه من سمعة حسنة وسط جموع الناس، حيث أقام القديس هيلاريوس ما يقارب من 22 سنة في الدير ثم غادر إلى قبرص ومات فيها.


أُهمل الدير بعد أن غادره أصحابه، وصار مكانًا غريبًا تحفه القصص والخرافات التي تقول أن المكان مسكون بالجن، وأنه أحد الأماكن التي تبيت فيها الأشباح في الليل، ساعد على نمو تلك الخرافات الخراب الذي كان حاصل في المقام، حتى جاء الفتح الإسلامي لفلسطين فتم بناء طابق ثانٍ فوق الدير وتحول إلى مسجد صغير، حسب عموديين رخاميين موجودين في المسجد لاحظهما المستكشف الفرنسي فيكتور جويرين وصار يعرف بمقام الخضر، إلا أن بعض الروايات التاريخية نسبت المقام إلى القدّيس مارل جرجس أحد القديسين المسيحيين، الذي صورته المسيحية بالرجل الذي يصارع الباطل والتي تعني "الخضر" باللغة العربيّة، ومن يومها أخذ المكان اسم مقام الخضر.
يعتبر هذا المقام من أقدم المباني الأثرية في مدينة دير البلح الفلسطينية، تم إنشائه في العهد البيزنطي الذي كان مهتمًا جدًا بالإنشاءات الكنائس والأديرة، يقع مقام الخضر في وسط مدينة دير البلح، وتبلغ مساحته 450 مترا وهو عبارة عن ساحة لها ثلاثة قباب محاطة بحجارة قديمة، ويمكن للشخص أن ينزل بدرج من عشر عتبات حجرية قديمة إلى غرفة تتوسطها بلاطة متوسطة الحجم موضوعة فوق قبر منقوش عليها بالأحرف اليونانية يعتقد أنها قبر لأحد الأساقفة اليونانيين.


يتميز المقام بموقعه الذي جعل منه في السابق مزارًا للتبرك والصلاة سواء في الدين المسيحي أو الاسلامي، حيث كان بعض الأشخاص يأتون بالذبائح ويذبحونها على باب المقام اعتقادًا منهم أن هذا السلوك يعمل على الشفاء وتحقيق الأمنيات، أما اليوم فهو مكتبة تحوي 6000 مادة مكتبية، بالإضافة إلى كونه مقر لجمعية نوى للثقافة والفنون التي عملت على جلب التمويل لترميمه وتجهيزه ليصبح مركزًا ثقافيًا ومحورًا مهمًا في حياة أطفال دير البلح لما يقدمه لهم من خدمات ثقافية وترفيهية وأنشطة تعليمية مختلفة، حيث جاءت فكرة ترميم المقام الأثري في أواخر عام 2014 باقتراح من مجموعة شبابية في دير البلح التي تفتقر إلى المراكز الثقافية، حيث يعتبر المشروع نموذجًا ملهمًا لأصحاب الأفكار الإبداعية من ناحية ترميم مقام مهمل وفي حالة يرثى لها بعمر يتعدى 1431 عام وإعادة إحيائه ليكون مكتبة ومنارة للمحيط الجغرافي حوله ليعزز بذلك قيم العلم والتسامح والتنوع بصفته مقامًا جمع في ظروف مختلفة الديانتين المسيحية والإسلامية في مكان واحد، لتنتقل هذه الثقافة إلى الأجيال الفلسطينية المتعاقبة.


الداخل إلى المقام الذي أصبح مكتبةً الآن سرعان ما يكتشف جماله الكامن، حيث ينقسم المبنى إلى قسمين، القسم الأول عبارة عن مكتبة كبيرة تتيح للزوار القراءة والمطالعة وتنفيذ الأنشطة الثقافية والترفيهية، أم القسم الثاني الذي يمتد أسفل المبنى ويتم الدخول إليه عبر دهليز يمتد لثلاثة أمتار فهو قبو فيه القبر بغرفة صغيرة تضم بعض القطع الأثرية التي تم العثور عليها في ذلك المكان أثناء عمليات الترميم.
وبهذا الفعل العظيم الذي من خلاله تم ترميم المقام الذي كان يشكل عاملًا مزعجًا للسكان بعد أن سيطر عليه الاهمال والخرافة وأصبح مكانًا يأوي كل الأشياء المخيفة والمزعجة، أصبح بهمة القائمين عليه صرحًا ثقافيًا حافظ على المكان الأثري وعمل على استمرار وجوده كمنارة تاريخية تستمد طاقة الفعل من الماضي لتنقلها للأجيال في الحاضر والمستقبل.