حارسات التراث

سارة أبو الرب

"بدي آخذكم على بحر صانور". كانت هذه الدعوة من والدي كفيلة بأن تشعرني بحماس شديد في طفولتي. فبحر صانور هو أقرب بحر أستطيع وصوله بدون حواجز الاحتلال وتصاريحه. وكنت أنتظر سنوياً موعد افتتاح هذا البحر لأسيّر مراكبي البلاستيكية وسفني الورقية فيه.

هذا البحر الموسمي هو مرج بلدة صانور جنوب جنين وثالث أكبر مروج فلسطين (نحو 15000 دونم). بحر لم أعلم أنه في الوقت الذي كان يجلب لي سعادة غامرة، كان يحرم آلاف المزارعين من العمل في أراضيهم المزروعة بحبوب القمح والسمسم والكرسنة وغيرها. بل إنهم ينتظرون جفافه بفارغ الصبر ويعتبرون امتلاءه نقمة لا نعمة. تقول لطيفة ولد علي (87 عاماً): سمعت إحدى النساء من طولكرم تدعو أمام البركة أن يدوم امتلاؤها طيلة العام لكي يفرح الناس، فوبّختها لأنها تدعو بقطع أرزاقنا!".


بدأت لطيفة العمل في الزراعة والحصاد منذ طفولتها.وكانت تراقب مراحل حصاد القمح ودرسه فتصفها قائلة: "كانوا يجيبوا الناس القش عالجمال والخيل". وتذكر لطيفة أنهم كانوا يستخدمون "الكادوس" لحمل القمح على ظهر الدابة، وهي حمّالة خشبيّة. ومن ثم كانوا يجمعون رزم القمح ويسمّونها "كتّات". وحينما أصبحت لطيفة في العاشرة من عمرها،صارت تمسك برسن الحصان وتلف حول العرمة، وهي كومة القمح التي تدور حولها الدابة، ومحيطها هو "الطرحة"، إذ يحمل الشبان شواعيبهم لإعادة القمح من الطرحة إلى العرمة. "الشباب الي بالنص يفسخوا الكتّة ويفرشوها. وكانوا يصفوا الكتات حوالين القش يدرسوه. ويصيروا بالمذراة (الشاعوب) يرموا الطرحة ويكسروه، الله لا يكسر مخلوق". وتذكر لطيفة أن كيلو السمسم كان يباع بخمسة وعشرين قرش أردني في حينه. أما ماريا الحج حسين (٨٢ عاماً)، فتذكر حينما كانت تأكل الكراديش، وهو الخبز المصنوع من طحين الذرة وتقول مازحة: "كنا نحط عليها بصل وبندورة ونعملها بالطابون وكانت أطيب من البيتزا".

القلعة المنحوسة

تتوسط صانور قلعة تاريخية سكنها آل جرار وأداروا البلد منها. وبنيت القلعة بمغاور وآبار عدة لتكون بمثابة ملجأ وقت الحصار ومصدر المياه الرئيسي.تقول الروايات إن الشيخ محمد المشرقي بعد استيلائه على بلدة عرابة أمر ببناء سور مرتفع يحيط البلدة لحمايتها وبحسب المؤرخين، سقطت القلعة أمام حملة أحمد باشا الجزار بعد حصارها في عامي 1790 و1795 وكذلك الحال في عهد إبراهيم باشا.

الخالة لطفية ولد علي

وحوصرت القلعة بين عامي 1860 و1870 ستة أشهر دون أن يتمكن إبراهيم باشا من دخولها إلا بعد اتفاق مع أهالي القلعة قضى بخروجهم من صانور مقابل عدم هدم القلعة. ومنذ حينها انتشرت عائلة جرار في جنين وبلداتها وقراها، إلا أن إبراهيم باشا أخل بالاتفاق وهدم القلعة وأحرقها. وأعاد تشييدها يوسف جرار المعروف بهيبته وقوته. واليوم ما تزال بقايا من القلعة قائمة مع أبنية حديثة وقديمة في نطاق سورها. ولكثرة هدمها عرفت بالقلعة المنحوسة. إلا أن سلسلة المآسي التي شهدتها هذه القلعة المنحوسة لا ترد على لسان أبناء العائلة وأهل البلدة. فحينما استقبلتنا الحاجة ماريا الحج حسين في بيت عائلتها، الذي يعد من أكبر وأعرق بيوت صانور، قالت مفاخرة: "إبراهيم باشا ظل ست شهور يحاول يستولي على صانور. هدم كل بيوت البلد إلا بيت سيدي عبد الله النصر".


إلا أن الإنجليز هدموا بيت والدها، لأنه استضاف الثوار وقدم لهم الطعام والكلّاج في الديوان. "إجوا الإنجليز ياخذوا أبوي وكان متخبي بالنملية، قاموا طوقوا الدار الي من ثلاث طبقات وهدوها وحبسوا أبوي بسجن عكا". وتذكر ماريا أن بوابة عكا نقلت من صانور إلى جامع الجزار في عكا، لشدة استعصائها عليهم. وتبدو ماريا معتزة بإرث عائلتها وبلدها، التي كانت كل الجيوش تحتمي فيها لمنعتها وحصانتها. واصطحبتني إلى إحدى شرفات منزلها المطلة على قلعة صانور وقالت: استخدم زيت الزيتون لجبل هذه القلعة. وقصت علي أنه حينما طلب حاكم عثماني يد ابنتين من بنات آل جرار الذين سكنوا قلعة صانور، قال جدهم الذي كان بمثابة مختار: "تجوزوا بشرط الي بطب فيهن ما يلوم إلا حاله". وأرسل المختار الفتاتين ومعهما خروفان، أحدهما حشيت بطنه بالذهب والآخر محشوّ باللحم. وأمر إبراهيم باشا بحمايتهما فاصطحبهما الجيش ولما فتحوا الخروفين دهش إبراهيم باشا فاستضافهما للمبيت في بيته ليلتين. واستغل إبراهيم باشا ذلك لخدعة أهل صانور، فأمر الجند بالتظاهر بأنهم خرجوا على الخيول ليتمكنوا من تلغيم صانور من تحت الأرض. "قال لهم بتطلعوا الخيل والحمير وبتصيروا تدابكوا عشان تلغموا الأرض من تحت الوطاة(1) "، تروي ماريا. إلا أن خطته لم تنجح لأن المتفجرات تفجرت بالجنود، "صبحن ثاني يوم الطناطير محطوطات عالحجار ومنهزمين، فصرنا نغني:

"إبراهيم باشا يا مجنون
(2)لبست الحجر طنطور
كل البلاد طاعتلك
ما عدا قرية صانور".


الخالة ماريا الحج حسين

أفراح صانور

أما عند زواجها، فاكتفت ماريا بشراء مصاغ يشمل "جوز نجاصات بـ22 دينار وسحبات أساور بـ22 دينار وعشر ذهبات وخاتم وحلق وتخت وخزانة بـ22 دينار". وما زالت تنام على نفس السرير الحديدي وتستخدم نفس الخزانة اللذين اشترتهما لجهازها قبل 62 سنة. "فصلوا لي دار عمي فستان فلاحي مكشكش ومتلتل، بس أنا كنت ألبس زي أهل المدن وأتزنر".

أما لطيفة ولد علي، فأرضعت شقيقها الصغير بينما كانت ترضع ابنتها، مؤكدة جواز ذلك في الشريعة الإسلامية. وحينما تزوجت بمهر 150 ديناراً، قدمته لوالدها كما كان العرف السائد في حينها. "خيطت فستان لجهازي عند خياطة في عنزة، أخذت لها الكسوة هناك وفصلتلي إياه. عملت لي فستانين، وعلى أيامنا كانت المسعدة يجيها ثلاث فساتين". وما زالت لطيفة منزعجة من أنها لم ترتدي أثواب "رمش عينه" و"صباح الخير" و"يما القمر عالباب" التي كانت موضة في حينها، بعكس زوجة أبيها التي لبست كل هذه الفساتين. "سكنت مع ضرتي وحماتي. حماتي ما كانت تخليني أعرف أوكل اللقمة".

وبما أنها تزوجت ابن خالها وعمتها، لم تزف في عرسها على الهودج كما الغريبات. ومم كانت النساء تغنيه للعروس الغريبة:
"كنك غريبة هيلي من الدمع هيلي
من العيد للعيد تيطلوا عليك ليلة
كنك غريبة هيلي من الدمع حفنة
من العيد ليطلوا عليك نقلة
ياهل الغريبة طلوا على غريبتكم
وإن قصرت خيلكم شدوا مروتكم
ياهل الغريبة طلوا بالسنة مرة
وإن قصرت خيلكم قولوا بعين الله

وفي حفل الحناء، كانت تلوّن يدا العروس وقدميها وشق صدرها بالحناء. وفي اليوم التالي تكون الطلعة بعد صلاة المغرب. ومم شاركته معنا لطيفة من أغاني الحناء:
"سبل عيونه ومد إيده يحنوله
خصره رقيق وبالمنديل يلفونه
***
يلا يا حلوة مدي إيدك تحنيها
يلا يا حلوة مدي إيدك على مهلك
ليلة الحنة فرحولك عموم أهلك
يلا يا حلوة مدي إيدك تا نتحنى
أرض الحبايب بالحنة نفرشها

وفي الزفة تغني الصبايا خلف العروس والرجال أمامها قائلات:
أربع خواتم بإصبعها
والخير منكم يطلعها
أربع خواتم بإيديها
والخير منكم يرضيها
**
شدلها يابوها شدلها
وإن طلبت مصاري عدلها
شدلها يا بوها بالتكسي
واطلعوها يا خوالها الخمسة

وفي اليوم التالي تكون مباركة وتجلاية العروس، إذ تحمل العروس شمعتين وتبدأ إحدى النساء بالحذ لترد الباقيات من بعدها:
"حوطتك بالله وقنعتك بالسيف
قال العريس أهلاً وسهلاً بهذا الضيف
ضيف يعللنا ما طال الشتا والصيف
حوطتك بالله وثنيتك بعلي
***
الله وهيه الله
والله إلك باري
فاطمة الزهرا جلوها على علي


وكانت المتأخرات عن الزواج من نساء القرية تزور مقام الولي حريش ويرددن:
"يا حريش جيتك زايرة
من كثر ماني بايرة
كل البنات تجوزت
وأنا بعدني دايرة".

وتروي ماريا قصة حريش، الذي كان وليّاً, فتحدّاه أهل قريته أن يجلس في كومة حطب مشتعلة ليثبت كرامته. تقول ماريّا: "طاح فعفلها فعفلها وفرّ لحد ما وصل للجبل ووقف"، أي أنه تمرّغ بالنيران وفرّ راكضاً دون أن أن يتأذّى. علمت شقيقته حرشة بما حدث، وتتابع ماريا: "كانت تعجن وفرّت على مغارة تحت الجبل وهي إيديها عجين. فالعجين مدبّق على باب المغارة وفايتة بالمغارة وماتت فيها". وتقول الرواية الشعبية إن طبعة العجين من يديها بقيت على مدخل المغارة


1. الأرض
2. قبعة أو طربوش كان مرتديه يرمز للولاء للدولة العثمانية في حينه.


محتوى المدونة من مسؤولية جمعية الروزنا ولا يعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد الاوروبي