السفير د. عمر عوض الله

الحقوق الثقافية هي حقوق أساسية للإنسان، لأنها تقع تحت تهديد استراتيجي من اسرائيل سلطة الإحتلال الاستعماري ومنظومة الأبارتهايد، كغيرها من الحقوق السياسية والإقتصادية والإجتماعية.
إن الرواية والتاريخ والتراث وكامل الموروث الثقافي الفلسطيني تحت تهديد مباشر من الإستعمار الإسرائيلي، خاصة ونحن نحيي 75عاما على النكبة، نكبة الشعب الفلسطيني التي حاول فيها الاستعمار الإسرائيلي والمتواطئين معه لتزوير التاريخ وتذويب الهوية الوطنية الفلسطينية، وتشويه السردية والرواية وسرقة الآثار، وتدمير مواقع التراث الفلسطيني والإرث الحضاري الضارب في عمق التاريخ إلى أكثر من 10 آلاف عام من الحضارة، ومنذ العرب الكنعانيين واستمراراً إلى يومنا هذا في تلاحم بديع بين الأرض والتاريخ والإنسان، جعل من الأرض والهوية الفلسطينية جامعاً لشعبنا العريق. علما أن الحياة الثقافية للشعب الفلسطيني كان لها الدور الأكبر في الحفاظ وإحياء الثقافة وموروثها، ليس فقط في فلسطين بل في الإقليم بشكل عام.
إن استمرار شعبنا الفلسطيني في العيش على أرضه دون انقطاع، على الرغم من النكبة والنكسة والاحتلال، والاضطهاد الذي عانى منه شعبنا، كان له الدور الأكبر في نقض ومواجهة الرواية الصهيونية. وبصموده، ونضاله، ووحدته كشعب عصي على الكسر أفشل كل هذه المؤامرات التي أرادت تحويل شعبنا إلى مجموعة من اللاجئين البؤساء، والمشردين، كما ساهمت منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد في الحفاظ على حقوق شعبنا كافة، بما فيها السياسية والثقافية وإعادة شعبنا الفلسطيني إلى مكانته بين الأمم. وكما ينبعث طائر الفينيق من الرماد، عاد شعبنا من رماد النكبة ليجترح أسطورة بقائه وانطلاقته بسياسيّه، وعلمائه، وكتابه، وفنانيه المبدعين.
إن ما يميز الشعب الفلسطيني عن غيره موروثه الثقافي الغني وبتاريخه، وأرضه، والثقافات والحضارات، وأرض الديانات، وكما يقول علماء الآثار أن كل فلسطين هي إرث تاريخي وتراث عالمي يعرف عن أصالتها ومكانتها الفريدة، وباعتبار أنها قيمة عالمية متميزة (Outstanding Universal Value).
كما أن الموروث الثقافي، هو شاهد إضافي على زيف الرواية الصهيونية، والاسرائيلية، ويثبت من اللغة إلى التنقيب أن هذه الأرض هي فلسطينية وأن حتى الميثولوجيا هي ميثولوجيا مرتبطة بالفلسطيني وكنعان، وآلهة كنعان من بعل، وايل، وعشتار، وعنات.
لذلك فإنه في ظل حرب الرواية والحقوق، تتجدد أهمية حماية، والحفاظ على هذا الموروث الغني وهو بحاجة إلى تظافر الجهود الوطنية، الرسمية وغير الرسمية، الحكومية وغيرالحكومية، والدبلوماسية الكلاسيكية وغير الكلاسيكية، وذلك من خلال البناء على الإرث الحضاري الفلسطيني التاريخي.
وهنا أود التطرق إلى هذا الدور الهام للدبلوماسية في حماية الموروث الثقافي الفلسطيني ودور الجاليات الفلسطينية.
حيث يعزز العمل الدبلوماسي الكلاسيكي من خلال عمل سفارات دولة فلسطين المنتشرة في معظم دول العالم، ومن خلال العمل مع المنظمات الأممية والدولية التي تعنى بشؤون العلم والثقافة والتربية، كمنظمة اليونسكو، ومنظمة الوايبو للملكية الفكرية، وغيرها من اتفاقيات اليونسكو، واتفاقيات حقوق الإنسان التي تعنى بالحقوق الثقافية والتعليم.
تعمل دولة فلسطين على تسجيل مواقع التراث الفلسطينية على قوائم التراث العالمي٫ عملا بأحكام اتفاقية اليونسكو لحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، للحفاظ عليها من التخريب والتدمير والمواقع المسجلة حتى الآن هي مدينة القدس وأسوارها، والمدينة القديمة في الخليل والحرم الإبراهيمي، على لوائح اليونسكو كمواقع مهددة بالخطر، وكما تم تسجيل كنيسة المهد في بيت لحم، وبتير، وفي أيلول القادم سيتم تسجيل أريحا.
كما تم تسجيل التراث غير المادي الفلسطيني "كالحكاية والتطريز" وقريبا "الدبكة" الفلسطينية والعمل جارٍ لإدراج كل الممارسات والتقاليد والمعارف والمهارات الفلسطينية على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عملا بأحكام اتفاقية اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي، وذلك حفاظاً على أصالة التراث المادي وغير المادي الفلسطيني منذ آلاف السنين.
وتدافع فلسطين عن حقوق الشعب الفلسطيني من خلال اعتماد قرارات أمام المنظمات الأممية كقرارات اليونسكو بشأن التعليم وأسرلته وتزوير المنهاج الفلسطيني في مدينة القدس واستهداف اسرائيل، سلطة الاحتلال غير الشرعي للمؤسسات الثقافية والتعليمية في القدس وفي غزة وفي غيرها من المدن الفلسطينية، والحفريات والتدمير الممنهج للتراث الفلسطيني، ومخالفتها للاتفاقيات الدولية وخاصة اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، واتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي، واتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، واتفاقية حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه، واتفاقية صون التراث غير المادي، واتفاقية حظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة.
في طبيعة الحال عادة ما يرافق هذا الجهد الهام معركة دبلوماسية تشترك فيها سفارات دولة فلسطين في كل دول العالم، لحث الدول للتصويت لصالح القرارات الفلسطينية أو تسجيل المواقع على لوائح التراث مدعمة بنقاط حديث وورقة حقائق تفشل فيها الرواية الاسرائيلية وجهدها في منعنا من تثبيت حقوقنا التاريخية والقانونية والثقافية والتراثية للشعب الفلسطيني.
كما يرافق التسجيل والنجاح في التصويت على القرارات حملة تعريفية وإعلامية عن المواقع التي تم تسجيلها وفحوى القرارات، من خلال سفاراتنا وعمل سفرائنا مع الدول المعتمدين لديها ومع الجمهور هناك، ومع المؤسسات المعنية. وهنا كذلك تتدخل الدبلوماسية غير الكلاسيكية، والدبلوماسية الشعبية من خلال عمل الجاليات والمؤسسات غير الحكومية في إقامة المعارض وإحياء المناسبات الوطنية الفلسطينية التي ترافقها الاعتداد باللباس والطعام الوطني والتعريف بالتراث الفلسطيني، بالإضافة إلى الأعمال الفنية من أفلام، ورسومات، وأعمال ثقافية ومسرحية وموسيقى. وكذلك من خلال التبادل التعليمي وابتعاث المعلمين إلى الدول الشقيقة والصديقة وتعليم اللغة العربية والدراسات الشرق أوسطية والتاريخ. وتقديم وتبادل المنح الدراسية والبعثات الثقافية في عديد الدول.
ان أسس الدبلوماسية الفلسطينية كانت قائمة على محورين رئيسين; الدبلوماسية السياسية والثقافية. حيث أن قادة العمل الوطني والسفراء، والدبلوماسيين وممثلي منظمة التحرير الفلسطينية القدامى، كانوا معظمهم من المثقفين، والكتاب الذين قدموا القضية، والسردية، والرواية الفلسطينية من خلال كتاباتهم وترجماتهم، وقد استهدفتهم اسرائيل بالاغتيال. والدبلوماسية المعاصرة الفلسطينية يجب أن تكون استمراراً وتراكما لجهد دبلوماسيينا الأوائل، وفي اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني تم، بدعم من الأمم المتحدة، إصدار موسوعة ل 100 شخصية فلسطينية مؤثرة عالمياً في الثقافة والفنون والعلوم وغيرها من المجالات الهامة للبشرية منذ مطلع القرن الماضي.
إن تطوير العمل الدبلوماسي باستخدام الأدوات الحديثة وتكنولوجيا العصر بما يخدم الأهداف الوطنية في إنهاء الاحتلال الاستعماري الاسرائيلي وتثبيت الرواية الفلسطينية والحفاظ على الموروث الثقافي، ودعوة الدول والمنظمات الاممية بإنفاذ الاتفاقيات الدولية والقانون الدولي، وتوفير الحماية لأرض فلسطين وشعبها، وتراثها الفكري والحضاري، فهي أرض تراث عالمي، ثقافي وطبيعي، وذات قيمة نادرة واستثنائية يستوجب صونه وحمايته، وهي أرض الرسالات السماوية، ومسرى الأنبياء. ووفاء الدول بالتزاماتهم بما فيها حظر استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية التي يستولي عليها الاحتلال من أرض دولة فلسطين المحتلة بطرق غير مشروعة وإعادتها إلى بلادها الأصلية فلسطين. وملاحقة مجرمي الحرب الاسرائيليين واولئك الذين يتعاملون مع الآثار المسروقة من فلسطين، بما فيها تلك الدول التي تقبل أن يُعرض في متاحفها هذا التراث المسروق، كما حدث سابقاً مع مخطوطات البحر الميت، التي سرقتها سلطة الاحتلال عام 1967 من متحف فلسطين الأثري في القدس. وتبقى حماية الإنسان الفلسطيني حامي هذه الثقافة والتراث، والتاريخ، أولوية العمل السياسي والدبلوماسي. فخلف هذا الموروث الثقافي وحجارة وآثار فلسطين، يوجد شعب متأصل في أرضه، يقود نضالاً شجاعاً نحو الحرية والاستقلال.