أ. لوما قمصية

مركز حفظ التراث الثقافي هو مؤسسة غير ربحية تسعى للحفاظ على التراث الثقافي الفلسطيني سواء كان ملموس أو غير ملموس، فمنذ تأسيس المركز عام 2001 تميّز بجهوده في الحفاظ على مصادر التراث الثقافي في مدن وقرى فلسطين، وذلك لربط الماضي بالحاضر والتأكيد على أن تراثنا هو أحد أهم مظاهر الثقافة والهوية الفلسطينية وأداةً هامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. حيث استطاع المركز إعادة تأهيل أكثر من 45 فراغ حضري في مراكز المدن التاريخية والأحياء القديمة، وترميم أكثر من 150 مبنى تقليدي وإعادة تطويعه لخدمة المجتمع، والتي خلقت على المدى القصير أكثر من 300 ألف يوم عمل مباشر بينما وفرّت على المدى البعيد أكثر من 400 فرصة عمل دائمة.
لدى مركز حفظ التراث الثقافي العديد من الأهداف، أهمها الحفاظ على التراث الثقافي الفلسطيني والاستفادة منه كأداة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، تعزيز وعي المجتمع بقيمة وأهمية هذا التراث، توفير فرص العمل وتحسين الظروف المعيشية للسكان المحليين، إضافة الى بناء القدرات المحلية في مجال تقنيات ومنهجيات الترميم وإعادة التأهيل.
قام مركز حفظ التراث الثقافي بتنفيذ العديد من المشاريع في مجال التراث الثقافي منذ تأسيسه في مدن وقرى مختلفة في محافظة مدينة بيت لحم، وامتدت وتوسعت المشاريع لتغطي كافة مناطق فلسطين بالإضافة إلى محافظة القدس. كما وتعددت المشاريع المنفذة من قبل المركز من حيث نوعية التدخل، شملت ترميم وإعادة تأهيل مباني متنوعة، إعادة تأهيل حارات وشوارع، وممرات وأدراج، و إعادة تأهيل مرافق عامة، وإعداد دراسات مختلفة وخطط حماية وحفاظ بالترافق مع حملات توعية وشراكة مجتمعية.
يتكون المركز من عدة وحدات كانت قد أسهمت في نجاح و استمرار عمله و عطاءه، و هي:

1. وحدة التأهيل

يرتكز عمل هذه الوحدة على ترميم مواقع التراث الأثري والمعماري، والمسارات التاريخية والسياحية الخضراء، والمباني والأحياء التقليدية والأثرية القديمة، بالإضافة إلى التخطيط الحضري للمراكز التاريخية. وتقوم هذه الوحدة بكافة أعمال التصاميم الهندسية اللازمة لكل مشروع مع تحضير كافة وثائق العطاءات والإشراف الكامل على تنفيذ المشاريع حسب المواصفات الفنية اللازمة لحماية المشروع.

2. وحدة العلاقات العامة والتوعية المجتمعية

بهدف ضمان شراكة ومشاركة فاعلة للمجتمع المحلي في الحفاظ على التراث الثقافي، تقوم هذه الوحدة بتخطيط وتنفيذ العديد من الأنشطة وحملات التوعية مع فئات المجتمع المختلفة عن طريق المحاضرات، وورش العمل، والمسابقات التراثية الثقافية، والزيارات الميدانية والأنشطة الفنية، والأعمال التطوعية وغيرها من الفعاليات المشتركة.

3. وحدة الدراسات والأبحاث

تبرز أهمية هذه الوحدة من خلال عملها في تحضير البحوث والخطط المطلوبة لإدارة وحماية المعالم الأثرية، بالإضافة إلى خطط الحماية والإدارة للبلدات القديمة من أجل إعادة إحيائها والاستثمار فيها كعامل مهم في تنمية الاقتصاد المحلي، بالإضافة إلى برامج الحماية القانونية والبيئية من خلال تطوير الأنظمة والقوانين الخاصة بضمان حماية مراكز المدن التاريخية. كذلك تقوم هذه الوحدة بتحضير وتجهيز ملفات الترشيح للمواقع والمعالم والمدن الأثرية ليتم تسجيلها على اللائحة العالمية للمواقع الأثرية.

4. وحدة الثقافة – مركز دار الصبّاغ لأبحاث ودراسات المغتربين

تم ترميم هذه الوحدة من خلال منحة مقدمة من الحكمة السويدية - الوكالة السويدية للتنمية الدولية (سيدا) من خلال منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) لتستخدم كمركز للدراسات والأبحاث الخاصة بالمغتربين من مدينة بيت لحم، وتوثيقها بالشكل الصحيح لتصبح مرجعاً لتاريخ مدينة بيت لحم، بالإضافة إلى القيام بالأنشطة والفعاليات المختلفة لتسويق المدينة على المستوى المحلي والدولي. حيث يقوم المركز بتغطية المصاريف التشغيلية لدار الصباغ – وحدة الثقافة بالتعاون مع المجتمع المحلي وبالأخص مالك المبنى.

يتميز المركز بمشاريعه العديدة التي يسعى من خلالها للحفاظ على التراث الثقافي فمنها مشاريع ترميم وتأهيل المباني التقليدية والمراكز التاريخية، مشاريع التوعية المجتمعية، الدرسات والأبحاث، إضافة الى الدورات التي من شأنها رفع قدرات المجتمع المحلي بما يتعلق بتاهيل وترميم المباني القديمة وفقا للمعايير العالمية.

1. مشاريع الأبحاث والتدريب والدراسات

تعد الأبحاث والدراسات عاملاً مهماً في آلية عمل مركز حفظ التراث الثقافي الذي يهدف لتعريف الاستراتيجيات والخطط لمختلف الأنشطة التي يتم تنفيذها من قبل المركز في مختلف المجالات. بينما يعد التدريب عامل آخر من العوامل المهمة التي يحرص من خلالها على إيصال المعرفة التي توصل إليها المركز لكافة شرائح المجتمع والجهات العاملة في مجال المحافظة على مصادر التراث الثقافي. كما كان المركز، ومن خلال قسم الدراسات والأبحاث، شريكاً أساسياً في إعداد وثيقتي الترشيح لإدراج مواقع فلسطينية على قائمة اليونسكو للتراث العالمي "بيت لحم، مهد السيد المسيح: كنيسة المهد وطريق الحجاج – 2011"، و"فلسطين: أرض العنب والزيتون: المشهد الثقافي في القدس الجنوبي، بتير – 2013".

2. مشاريع إعادة تأهيل المباني التقليدية والنسيج الحضري

قام مركز حفظ التراث الثقافي بتنفيذ العديد من مشاريع الترميم وإعادة التأهيل في مدن وقرى فلسطين.إذ أنه يحرص على تقديم المعرفة والخبرة من خلال هذه المشاريع لتكون مثالاً على التقنيات المستخدمة في الترميم وتشجيع الآخرين على إتباعها، حيث تظهر هذه المشاريع فعالية استخدام المواد التقليدية وتطبيق التقنيات التقليدية للترميم بأسلوب يحترم البناء الأصلي من خلال الندوات والمحاضرات وورش العمل وزيارات المواقع وغيرها. وقد بلغ عدد المشاريع المنفذة من قبل المركز حوالي 200 مشروع متنوع من حيث نوعية التدخل، شملت ترميم وإعادة تأهيل أكثر من 150 مباني متنوعة، إعادة تأهيل أكثر من 45 شارع، وممرات وأدراج، وإعادة تأهيل مرافق عامة، وإعداد دراسات مختلفة.
طوّر مركز حفظ التراث الثقافي آلية لاستغلال المباني التقليدية من خلال الحصول على موافقة مالكيها بإعادة تأهيلها للمنفعة العامة لفترة زمنية لا تقل عن 10 سنوات، وذلك مقابل كلفة أعمال ترميم هذه المباني، ويمكن للمالكين إعادة استرجاع المبنى بعد انقضاء الفترة المتفق عليها. أما فيما يتعلق بمشاريع إعادة تأهيل الفراغات العامة، فقد تبنى المركز سياسة التعاون مع المجالس والهيئات المحلية لإعادة إحيائها.

3. أنشطة لبناء القدرات

يدرك مركز حفظ التراث الثقافي الحاجة إلى بناء القدرات في مجال الحفاظ على الموروث الثقافي للمهندسين والمعماريين والحرفيين والعمال. وعليه، يعتمد المركز العديد من الوسائل العملية والنظرية لبناء وتطوير قدرات العديد من المختصين في مجال الهندسة والتخطيط والترميم وذلك كنقطة انطلاق لدعم الجهود الوطنية وتعزيزها والحفاظ على الموروث الثقافي في فلسطين وضمان ديمومته. ومن أهم الأنشطة التي قام المركز بتنفيذها لبناء القدرات:
- بناء قدرات في مجال الرسم الزيتي في المباني التقليدي؛
- مقدمة في التحليل الإنشائي وتدعيم المباني التاريخية في فلسطين؛
- دورة استدراكية لأدلاء السياحة في فلسطين بعنوان التراث الثقافي والمعماري في مدينة بيت لحم؛
- بناء قدرات مهندسي الهيئات المحلية؛
- بناء قدرات طلاب التخطيط والهندسة.

4. مشاريع التوعية والشراكة المجتمعية

إن ما أنجزه مركز حفظ التراث الثقافي ويعمل على إنجازه في مجال حماية وتطوير وإدارة مصادر التراث الثقافي في المدن والقرى الفلسطينية، بحاجة إلى مشاركة مجتمعية تواكب هذه المسيرة التنموية. ولهذا تتسارع الخُطى لإنجاز برامج وحملات متعددة في مجال تعزيز الوعي بالحفاظ على مصادر التراث الثقافي وتطويرها من خال استهداف كافة قطاعات المجتمع. ويعتمد المركز العديد من الأنشطة والوسائل لإشراك المجتمع مثل وُرش عمل وزيارات ميدانية وأعمال تطوعية ومطبوعات ومشاريع ريادية. وقد نفذ مركز حفظ التراث الثقافي حتى الآن أكثر من 4.000 نشاط ونجح في الوصول لأكثر من 120.000 شخص، والذي بدوره حقق نوعاً من التغيير الإيجابي في التوعية المجتمعية لقيمة التراث الثقافي وأهمية المحافظة عليه. ومن أهم أنشطة هذه الوحدة ما يلي:
- تخطيط مجتمعي:
يُنفذ المركز وبالتوازي مع مشاريع الترميم وإعادة التأهيل، لقاءات مع صنّاع القرار وذوي العلاقة بهدف إشراك هذه الفئات في عملية التخطيط وصياغة الاستراتيجيات المناسبة والخطط التنفيذية للمشاريع المقترحة عند انتهائها، والأخذ بعين الاعتبار ملاحظاتهم واقتراحاتهما وأولويات التطوير في منطقة المشروع. كما تهدف هذه المشاريع بالإضافة إلى الحفاظ على الموروث الثقافي إلى استخدام هذا التراث كأداة للتنمية وتطوير قطاع السياحة في المدينة.
- محاضرات ووُرش عمل:
تسلط هذه المحاضرات الضوء على أهمية دور المجتمع المحلي ومسؤوليته في حماية موارد التراث الثقافي، ورفع الوعي بأهمية وقيمة الموروث الثقافي كأحد مكونات الهوية الوطنية وأهم عوامل دعم وتطوير السياحة. تم استهداف فئات مختلفة من المجتمع من خلال عروض مصورة عن أهمية هذه المشاريع والتدخلات في البلدات القديمة وتأثيرها على المجتمع والبيئة المحيطة.
- زيارات ميدانية:
يقوم المركز أيضاً بالتنسيق لزيارات ميدانية مع كافة قطاعات المجتمع سابقة الذكر وصناع القرار، للمشاريع المنجزة أو تلك التي قيد التنفيذ، والمسارات البيئية السياحية والأماكن الأثرية التي تهدف إلى تقديم مثال حي للحفاظ على التراث الثقافي وأثره على المجتمع بالإضافة إلى تعريف هذه القطاعات على مراحل عمليات الترميم وإعادة التأهيل والمواقع التراثية والأثرية الموجودة في مجتمعنا. ولضمان نجاح وتحقيق أهداف هذه الزيارات وإفادة المشاركين، يقوم المركز بعمل استطلاع للرأي مع كل مشارك حول أهمية الزيارة ونتائجها.
- منشورات ومطبوعات
تعد المنشورات والمطبوعات جزءاً هاماً من خطة مركز حفظ التراث الثقافي الشاملة وأنشطتها، إضافةً إلى كونها وسيلة لرفع الوعي بأهمية هذا التراث والتعريف به وبقيمته التاريخية والاجتماعية لدى الرأي العام.

أبرز التحديات التي تواجه التراث الثقافي

أبرز التحديات التي تواجه التراث الثقافي:
التراث الثقافي الفلسطيني يعتبر جزءًا حيويًا من الهوية الوطنية الفلسطينية، ولكنه يواجه العديد من التحديات التي تؤثر على حمايته والحفاظ عليه. من بين هذه التحديات:

1.الإحتلال: الاحتلال السرائيلي يشكل تحديا كبيرا أمام الحفاظ على التراث الثقافي الفلسطيني اذ يسعى من خلال ممارساته المختلفة الى طمس، إيذاء، ومسح هذا التراث.

2.تشريعات غير كافية: يواجه التراث الفلسطيني تحديات فيما يتعلق بالتشريعات والقوانين الخاصة بحماية مصادر التراث الثقافي. اذ ان التشريعات الغير كافية أو الضعيفة قد تؤدي إلى عدم توفير الحماية الملائمة للتراث الثقافي الفلسطيني، مما يعرضه للتدهور والتخريب.


3.الزحف العمراني والنمو السريع للمواقع: تشهد الأراضي الفلسطينية زيادة في التوسع العمراني والتطور الحضري، وهذا يعني تغير في المشهد العمراني وفقدان للمواقع التاريخية والمعمارية التي تشكل جزءًا من التراث الثقافي. الزحف العمراني يتسبب في تجاهل البنية التحتية التاريخية وتدمير الأبنية التقليدية، مما يؤثر على الهوية الثقافية والتاريخية للمناطق المحلية.

4.قلة الوعي: تعاني المجتمعات الفلسطينية من قلة الوعي والاهتمام بالتراث الثقافي. قد يكون هذا نتيجة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها الفلسطينيون. قد يتجاهل البعض أهمية الحفاظ على التراث الثقافي والتاريخي الفلسطيني، مما يؤدي إلى تدهور وتشويه بعض مصادر هذا التراث.

5.ندرة الموارد المالية: تعد ندرة الموارد المالية عقبة رئيسية تعيق الجهود المبذولة للحفاظ على التراث الثقافي الفلسطيني. التمويل المناسب يلعب دورًا حاسمًا في تنفيذ برامج الحفاظ على المواقع التاريخية والآثار، وتوفير التدريب والتثقيف للمجتمع، وتنظيم المعارض والفعاليات الثقافية. ومع ذلك، قد تكون هناك قيود مالية تحد من إمكانية توفير الموارد اللازمة للحفاظ على التراث الثقافي الفلسطيني.

6.تعقيد الملكية : تواجه المواقع التراثية في فلسطين تحديات تتعلق بالملكية والتنظيم القانوني. بسبب التاريخ المعقد للمنطقة والصراع السياسي المستمر، قد تواجه المواقع الثقافية تعقيدات فيما يتعلق بحقوق الملكية والحماية القانونية. قد ينتج عن ذلك الإهمال والتدهور والاستغلال غير الملائم للمواقع والمباني التاريخية.

عرض كامل مع الصور لمشاريع مركز حفظ التراث