تعد هذه المقالة جزء من بحث موسع عن حرفة النول في فلسطين

إعداد الباحثتين: صابرين عبد الرحمن و هدى عودة

عند الحديث عن هذا الموضوع، لا بد من الإشارة الى أن السياق السياسي له انعكاساته ويؤثر على السياق الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للممارسين حملة التراث وعلى الحرفة ذاتها وعلى الكثير من الإرث الثقافي المادي وغير المادي المعرفي في فلسطين ومن هنا تأتي أهمية صون وتأريخ هذه الحرفة ممّن تبقوا من كبار السن والممارسين لها في بيئتها الطبيعية، حيث تبيّن من خلال البحث مدى اختفاء الكثير من الممارسين والكثير من التقاليد المرافقة لهذه الحرفة

السياق السياسي وتأثيره على حرفة النول والبيئة الرعوية

تأثرت حرفة النول واستمراريتها بشكل كبير بالوضع السياسي غير المستقر، والذي كان من تجلياته التهجير القسري لحاملي التراث من البدو من بيئاتهم الجغرافية وهو تهجير مستمر حتى الآن، منذ العام 1948، مما ساهم بشكل كبير في فقدان السياق الطبيعي والاجتماعي للحرفة، حيث تشتت حاملو التراث في مناطق متفرقة مما أفقدهم "البيئة التشاركية" التي تحتاجها ممارسة حرفة النول. كما سكن البدو في أماكنهم الجديدة التي هُجّروا إليها في بيوت من الاسمنت أو الصفيح بدل بيوت الشعر، مع عدم توفّر مساحات لممارسة حرفة النول، وفقدان البيئة الرعوية للأغنام –مصدر الصوف الطبيعي التي تعتمد عليه حرفة النول بشكل أساسي- وبالتالي تعرض الأغنام للأمراض والتأثير على جودة الصوف وغيرها. الأمر الذي ساهم بشكل كبير في هجران ممارسة حرفة النول بسبب عدم توفّر البيئة الطبيعية لها.

'فاطمة أبو داهوك - مخيم عقبة جبر\ أريحا' عندما كنا نعيش في بيوت الشعر كانت الحياة أفضل، كان لدينا المساحة لنسج البسط، كانت النساء تأتي للمساعدة، وكل يوم واحدة من النساء تُحضر مما لديها من طعام وشراب. الآن نعيش في بيوت من الصفيح لا يوجد مساحة، ولا ترى النساء بعضها البعض.

'لارا سلعوس' عندما توجهت للمناطق البدوية توقعت أن أرى النساء تنسج البسط، لكن للأسف لا تري ما تتوقعيه، المعرفة بحرفة النول تُفقد بين أوساط السيدات البدويات

فيما يتعلق بالبيئة الرعوية، يمكن الإشارة إلى شقين مترابطين أحدهما يتعلق بنوعية الصوف والآخر يتعلق بمهنة الرعي نفسها -المورد الرئيسي للحرفة- ولربما ترابط هذه الشقين له علاقة بتأثير الاحتلال والمستوطنين على الممارسات الأصلية في الريف والمناطق البدوية.
فمن ناحية نوعية الصوف، حسب إحدى الممارسات في السموع، فقد أشارت إلى اختلاف نوعية الصوف عن السابق، إذ أن الرعاة يستخدمون العلف الجاهز بشكل كلي بدلاً من الرعي الطبيعي للماشية، وذلك نتيجة تقييد الحركة في مناطق الرعي بسبب المعيقات من الاحتلال والمستوطنين، كما أكدت الفنانة لارا سلعوس على هذه النقطة، إذ أن هناك نوعين من الصوف أحدها "صوف طبيعي/ صوف بلدي" مأخوذ من الغنم البلدي، والثاني مأخوذ من الغنم المستورد أو المهجّن ويسمى "صوف عسّافي"، ويختلف النوعان بدرجة كبيرة، إذ لا يصلح الصوف العسافي للنسيج كما الصوف البلدي، ولا يعطي نفس جودة المُنتَج. والفرق بين الصوف البلدي والصوف العسّافي أن الصوف البلدي أكثر متانة وخيوطه طويلة وناعمة ولا تتقطع بسهولة، في حين أن الصوف العسّافي ذو خيوط قصيرة خشنة وتنقطع بسهولة، وتحتاج الكثير من الجهد لتهيئتها لعملية الغزل والنسيج.
أما عملية الرعي نفسها وتأثيرها على الحرفة، فإضافة إلى تأثيرها على نوعية الصوف كما ذكرنا، بدأت أعداد الرعيان والرعي خارج البلدة تقل بسبب ممارسات الاحتلال مثل جدار الفصل من جهة، وهجوم المستوطنين وتسميم الماشية والتهجير القسري المستمر للبدو، فمثلاً، ذكرت لارا سلعوس بأنه قد يتم تسميم الماشية للرعيان الفلسطينيين ومنعهم من الرعي تحت تهديد السلاح وحماية الجيش، وهو ما يسمى بـ"الاستيطان الرعوي" وهذا ينطبق على عدة مواقع في الضفة الغربية مثل مسافر يطا، طمون، كفر نعمة، الأغوار، والسموع، علماً بأن السموع تقع على حدود المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948 ويمر جدار الفصل بأراضيها. وتمت مصادرة عدة دونمات من أراضي البلدة وبالتالي قلت مساحات الرعي، إضافة إلى توجه الكثير من الرعيان للعمل في مصانع إسرائيلية والتخلي عن مهنة الرعي.

السياق الاقتصادي لحرفة النول

كان للواقع السياسي أثر كبير على الواقع الاقتصادي والذي ساهم بالعزوف عن ممارسة حرفة النول، إضافة إلى أسباب أخرى. ففي المناطق القروية تحديداً مثل السموع، ونتيجة للتكاليف العالية لمهنة الزراعة في ظل عدم وجود دعم لهذا القطاع، ومنافسة بضائع الاحتلال وعدم السيطرة على المواد الزراعية بسبب سيطرة الاحتلال على المعابر والحدود، كلّ ذلك ساهم في هجران العمل الزراعي لصالح توجّه المزارعين للعمل في الداخل الفلسطيني المحتلّ، مما أثر أيضاً على توفّر المواشي حيث فقد الكثير من المزارعين مواشيهم بسبب البيع أو فقدانها بسبب الأمراض. ساهمت هذه العوامل في عدم توفّر الموارد الطبيعية اللازمة لممارسة حرفة النول وبالتالي تهديد استمراريتها.

'فريال السلامين\السموع' كنا قديماً نزرع ونمتلك المواشي، أصبحت متطلبات الزراعة مكلفة، توجّه الرجال للعمل في الداخل وهجروا الزراعة وبعنا الأغنام، الآن فقدوا عملهم في الداخل، ولا يوجد أغنام ولا أرض

أما في الوقت الحالي وعلى المستوى الاقتصادي، فيتمّ إنتاج البساط البلدي باستخدام النول عند توفّر"الطلب" على المنتج فقط، حيث ما زال بعض المهتمين باقتناء هذه الإنتاجات بطلبها ضمن مواصفات معينة، خاصة الأجانب وفلسطينيي الداخل الفلسطيني المحتلّ، أو إنتاجها وغيرها من القطع لعرضها في بازارات أو معارض نسوية تشرف عليها مؤسسات نسوية مختلفة. ومن ناحية اقتصادية، فإن غزل ونسج الصوف بالطريقة التقليدية يعتبر عملية مكلفة وتحتاج إلى جهد ووقت، هذا بالإضافة إلى سعر المواد الخام المرتفع، فمثلا يكلف البساط بطول 2 متر حوالي 3000 شيكل ، ومع توفر البدائل الصناعية بأسعار أقل مثل مادة الإسفنج، والموكيت والأغطية من مواد صناعية، وكذلك ضعف القدرة الشرائية للكثير من الناس، أصبح اقتناء البساط التقليدي المنسوج يدويا من مواد طبيعية نوعاً من البذخ أو مرتبط بقدرة ذوي الدخل المرتفع على اقتنائه، أو من خلال تسويقه للسياح كنوع من الحرف التذكارية، إضافة إلى قلة الوعي بين الناس بأهمية التراث وأهمية الحفاظ على الحرف كحرفة النول وتفضيل المنتجات الصناعية المتوفرة بأقل تكلفة بغضّ النظر عن جودتها.


• https://www.maan-ctr.org/magazine/article/3869/الإستيطان الرعوي هو "أحد أشكال الإستيطان التي ابتكرها الإحتلال الصهيوني لاستعمار أرض فلسطين والسيطرة عليها وعلى كل ما تحويف من خيرات فوق الأرض وتحتها، وخوصا مناطق الأغوار، يقوم أساسا على السيطة على الأرض والتمدد فوقها بذريعة إيجاد مراعي يرعى فيها قطعان ماشيته"