محمود جودة - 28\12\2022

في هذه التدوينة سوف نتعرف على الموقع الأثري (تل رفح) ولكن قبل ذلك دعونا نتعرف على مدينة رفح بشكل موجز، تقع مدينة رفح في أقصى الجنوب الفلسطيني، وتبعد عن مدينة غزة حوالي 35كم، يحدها من الغرب البحر المتوسط ومن الشرق خط الهدنة عام 1948 ومن الجنوب الحدود المصرية.
تعتبر مدينة رفح من المدن التاريخية القديمة، فقد أنشأت قبل خمسة آلاف سنة وعرفت بأسماء عدة، فقد عرفها الفراعنة باسم (روبيهوي) وأطلق عليها الآشوريون اسم (رفيحو)، وأطلق عليها الرومان واليونان اسم (رافيا) وأطلق عليها العرب اسم رفح.
في أقصى جنوب غرب المدينة على الحدود المصرية الفلسطينية يقع تل رفح الأثري أو ما يعرف شعبيًا باسم (تل زعرب) نسبة إلى عائلة زعرب التي تسكن المنطقة منذ زمنٍ بعيد، يمتد تل رفح الأثري على مساحة تُقدر بـ150 دونم ويرتفع عن سطح البحر حوالي 30 مترًا.

يرجع تاريخ التل حسب التقديرات العديدة والاكتشافات الحديثة التي كان آخرها العثور على جرة فخارية تحوي بداخلها1000 قطعة من العملة الفضية التي تعود حسب النقوش التي وجدت عليها إلى العصر اليوناني (330 سنة قبل الميلاد ) إلى أن التقديرات ترجح أن التل أقدم من ذلك بكثير، وترجع أهمية هذا التل إلى كونه نقطة مراقبة مهمة سواء في الجانب البري أو البحري بسبب قربه من البحر بمسافة 3 كيلو متر مربع، لذا كان من أهم المواقع الحربية في العصور القديمة.
حسب عمليات التنقيب القليلة جدًا والتي حصلت في أغلبها بطرق بدائية تشير أن التل قد تعاقبت عليه أربع حضارات كبيرة كما تبين الدلائل التي تم اكتشافها والتي تضمن آثار فرعونية ويونانية وبيزنطية ورومانية.

منذ الاحتلال البريطاني لفلسطين تم مصادرة أرض التل ووضعه تحت الحماية وقد تعرض للعديد من عمليات النبش والتخريب المتعمد إبان احتلال قطاع غزة عام 1956 الذي استمر لفترة وجيزة، قبل حدوث عدوان عام 1967 واحتلال اسرائيل للقطاع لمدة 38 سنة والانسحاب منه عام 2005 حيث عمد الاحتلال إلى استخدام هذا التل كموقع عسكري وعمل خلال ذلك على التنقيب عن الآثار وسرقتها، ثم بعد انسحابه تم وضع التل تحت إدارة السلطة الفلسطينية ووزارة السياحة والآثار. ترجع أغلب القطع الأثرية التي تم العثور عليها إلى الأواني الفخارية وأعمدة وتوابيت وعملات نقدية وبعض القطع المرسوم عليها
أشكال مختلفة تعود إلى الحضارات المتعاقبة على هذا التل، حيث عثر على أغلب تلك الآثار بشكل فردي وأحيانًا عن طريق الصدفة، مما ساهم بعد ذلك في حدوث عمليات النبش والتخريب في التل من قبل الكثير من لصوص الآثار بسبب عدم وجود حماية مناسبة للتل ووقوعه في منطقة حدودية تجعل منه مسرحًا دائمًا لعمليات التهريب، على جانب آخر أشارت بعض الاكتشافات إلى وجود كنيسة ترجع إلى العصر الروماني (395م ـ 630م) وقد ذهبت الحفريات التي نفذتها وزارة الأثار في قطاع غزة مؤخرًا في أعماق التل عن اكتشاف طبقة أثرية تعود للعصر الكنعاني (2500 ـ 3000 ق.م) كما أنه في وقت سابق عثر فريق التنقيب على مشغولات من الفخار وغيره تعود للعصر الكنعاني وكان أشهرها قدر من الفخار موسوم عليه شعار الكنعانيين وهو طائر البجع حسب ما صرحت الباحثة ناريمان خلة لموقع عربي21. وفي حديث مع الباحثة ناريمان اكدت على ان التل كان يحتوي على العديد من القطع الاثرية التي تمت سرقتها وسرقة جزء من رمال التل وذلك في فترة الاحتلال البريطاني والإسرائيلي على قطاع غزة. وأضافت خلة انه تم العثور على قطع اثرية متنوعة وذلك بعد عمليات الحفر والتنقيب التي حدثت عام 2010، كما وذكرت اهم تلك القطع التي استخرجوها ومنها النقود المعدنية الفضية التي تعود لفترة الاسكندر المقدوني والتي مرسوم عليها شعار البومة. وأكدت الباحثة ناريمان ان هناك اهتمام واسع من وزارة السياحة والاثار للاهتمام بهذا المعلم الاثري للحفاظ على بقائه عن طريق تعشيبه واستمرار عمليات الاستكشاف عن المزيد من المعالم الاثرية بداخله كما توفر طوق حماية لضمان الحفاظ عليه.


وعن اهم التحديات التي تواجه وزارة السياحة والاثار كما قالت الخلة، هي وجود الاحتلال الإسرائيلي وفرض حصار خانق على قطاع غزة مما سبب شح في الإمكانيات والأدوات التي تساعد في عمليات التنقيب والحفر ومنع دخولها الى القطاع. يبقى تل رفح الأثري لغزًا لم يتم حله بعد، وأرضًا خصبة للحكايات والاكتشافات التي تأخرت كثيرة مما حرمنا وحرم العالم من معرفة جديدة سوف تظهر الأشياء الكثيرة التي حتمًا ستكون دليلًا جديدًا على قدم هذا الموقع وأهميته التي ترسخت طوال الحضارات السابقة، وعلى أهمية تلك الاكتشافات تقع أهمية أكبر في حفظ ما يكتشف، حيث يفتقر قطاع غزة إلى المتاحف التي تساهم في حفظ هذه الأثار، وتحفظ القطع التي يتم العثور عليها في متحف قصر الباشا الكائن في مدينة غزة البلدية القديمة حي الدراج، وهو المتحف الوحيد في القطاع.