تعد هذه المقالة جزء من بحث موسع عن حرفة النول في فلسطين

إعداد الباحثتين: صابرين عبد الرحمن و هدى عودة

لربما تعتبر حرفة نسج الصوف باستخدم النول الخشبي من أقدم الحرف التي لا تزال تمارس في فلسطين حتى يومنا هذا وتحديداً في بلدة السموع وقطاع غزة. يعتبر الغزل والنسيج من الحرف القديمة التي عرفت في منطقة الشرق الأوسط حسب دراسة الأثريات في المنطقة "إذ تأتي أقدم المعارف حول هذه الحرفة من مصر ممّا يمكن من دراسة تقنيات هذه الحرفة، كما حفظت الرسومات الجدراية طريقة عمل النسيج ومراحله المختلفة" . فعمليات "الغزل والنسيج والصباغة قد عرفها المصريون القدماء منذ عصور ما قبل التاريخ واستخدمت المنسوجات لحماية الإنسان من الحرارة والبرودة وعادة ما كانت تصنع من خيوط تم غزلها من
ألياف من اصل حيواني أو نباتي أو معدني بطرق مختلفة" وبينت الرسومات على جدران المقابر الفرعونية النساء يقمن بالغزل والنسيج بالنول اليدوي الأفقي: "كانت الأنوال في عصر الدولة القديمة توضع على الأرض في وضع أفقي، بينما نشاهد بعض الأنوال من الأسرة الثامنة عشر في وضع عمودي رأسي" علما بأن النسيج في الحضارة المصرية القديمة كان من الكتان وبعدها من القطن، أما "الحضارة الرومانية واليونانية فقد استغلت أصواف الحيوانات وغيرها من المنتجات". علماً أن طريقة الغزل والمغازل التي تم العثور عليها مشابه لما يستخدم اليوم، "وهي نفس الطريقة التي جرى فيها صناعة الخيوط في اليونان القديمة وروما في القرن الخامس قبل الميلاد، وحتى الوقت الحاضر". في وهذه الأنواع لا تختلف عن ما كان أيضا موجودا في فلسطين في فترات تاريخية لاحقة.
أما في فلسطين فقد "أظهرت الحفريات الأثرية في فلسطين بأن النسيج كان معروفا منذ القرن الرابع قبل الميلاد. فعند وصول الحضارة العربية إلى هذه المنطقة كان فن النسيج قد بلغ مستوى رفيعا" وحيث كانت الزراعة والرعي من أول الأعمال التي مارسها أهل فلسطين منذ القدم، فقد عملوا بالغزل والنسيج مستخدمين صوف الماعز والجمال بشكل أساسي، "إذ تشير المصادر التاريخية والدلائل الأثرية في العصرين البرونزي والحديدي من تتبع هذه الحرفة والمواد المستخدمة فيها، كما تدلل على ذلك نماذج من أعمال التنقيب في برية القدس تعود للفترة الرومانية". وتم العثور على في الحفريات على الكثير من "ثقالات" النول من الحجارة أو العظم أو الخشب "وكانت طريقة الغزل بسيطة جدا وهي لا تختلف عن طريقة الغزل التقليدية في مضارب البدو والقرى الفلسطينية حتى يومنا هذا بما يشير الى استمرارية التقاليد الحضارية عبر آلاف السنين."
وفي العصور الوسطى عرفت في فلسطين مراكز لحياكة السجاد "في صفد، والمجدل، ونابلس وأبو ديس، والجليل، وغزة والناصرة، ففي هذه المدن حاك النساجون أجمل أنواع السجاد والألبسة والبرادع وأكياسا استخدمت لبذر الحبوب (خرج) واللوازم البيتية وغيرها". وكانت مدينة المجدل (مجدل عسقلان-قضاء غزة) تعتبر أهم مركز للنسيج في فلسطين "واكتسبت شهرتها في الصباغة والنسيج منذ أيام الصليبيين وكانت تعتمد على الأنوال اليدوية". أما غزة، فقد اشتهرت أيضا بالصباغة والنسيج التي قد تكون وصلتها من الهند ومصر من غير المعروف تم إنشاء أول شركة للنسيج عام 1942 "شركة النسيج العربية".
إضافة إلى الصوف، كان شائعا غزل ونسيج الأقمشة من القطن الفلسطيني حيث كان يعتبر في أواسط القرن السابع عشر سلعة اقتصادية هامة يتم تصديرها الى فرنسا عبر يافا وعكا وصيدا". علماً بأن القطن كان "يزرع حتى بداية القرن الماضي في الجليل، ومرج بن عامر، وتلال نابلس، والمناطق الساحلية وصولا إلى ساحل غزة".
قبل بدء دخول الأقمشة الأوروبية الى الأسواق الفلسطينية في نهاية القرن التاسع عشر، وبِدْء استيراد القطن الخام من مصر، والحرير من سوريا، "كانت مهنة نسج الأقمشة إحدى الصناعات المزدهرة في بعض المدن الفلسطينية وأهمها: صفد، الناصرة، نابلس، بيت جالا، الخليل، غزة والمجدل في جنوب فلسطين..." حيث كان النول شائع الاستخدام في المنازل وبين العائلات .ويشير دالمان (1937) أنه في "ذلك الوقت كان يوجد 200 نول في المجدل، و 300 في بيت جالا و 50 في غزة" كما تم إنشاء عدة مصانع من الأنوال اليدوية في غزة، كان أهمها "شركة النسيج العربية التي تاسست عام 1942". ونوع النول الخاص "بنسج الأقمشة الذي تم توثيقه هو نول الدواسة الخشبي وكان الأكثر شيوعا في المدن في حينها، بينما النول"العرضي" لحياكة الحصر، والنول الأرضي لحياكة البسط كان مستخدما في القرى وعند البدو ولإستخداماتهم البيتية بشكل أساسي. النول الأرضي هو المستخدم في بلدة السموع حتى اليوم (وهو نفسه المستخدم في القرى البدوية في النقب مثل قرية اللقية، ويطلق عليه اسم المد، تمارسه النساء على نطاق العائلة وينتقل من جيل الى آخر بالممارسة) وتتشابه حرفة غزل ونسج الصوف عند الفلاحين في القرى وعند البدو، وقد يكون هناك اختلاف في تسمية بعض الخطوات أو القطع المستخدمة..كما أن "الزخارف عند البدو متقدمة أكثر من تلك الأنماط عند الفلاحين". أما عن أنواع الخيوط، فإن الصوف من الغنم والجمال كان أهمها بالنسبة للنساجين، وكذلك كثير من القطن والحرير والصوف في الجليل (حسب ليتجو 1814). لكن مع أواخر القرن التاسع عشر بدأ القطن والحرير بالدخول من الشام ومصر(تريستريم 1863).

مع بداية القرن العشرين ومع نكبة 1948، اختفت العديد من الحرف اليدوية وممارسيها نتيجة الإقتلاع من الأرض والتهجير وبالتالي تدمير التراث الثقافي، فمثلا، اختفى النول الأفقي ونول نسيج الحصيرة مع نهاية االإنتداب البريطاني، وبالتالي انتهت الممارسات والحرف التي كانت نتنج. كما لجأ الكثير من سكان بلدة المجدل وعسقلان الى قطاع غزة، فنقلوا معهم حرفة الغزل والنسيخ التي كانت تميز بلدهم، ومن هناك بدأت الحرفة تشهد مزيد من التطور في قطاع غزة، في منطقة الشجاعية تحديدا خلال فترة الستينات والسبعينات، وكان يتم استيراد الصوف من مصر حتى العام 1967. وفي النقب مثلا، فقد تم إجبار معظم البدو على ترك مناطق سكناهم في بيوت الشعر التقليدية، وتم توطينهم في مساكن أخرى، وتقييد حركتهم وتنقلهم مما أدى الى فقدانهم للرعي وللماشية التي كانوا يعتاشون منها في تنقلهم الموسمي، والنساء فقدن ممارسة دورهن الرئيسي الذي يرتكز على الغزل والنسيج، وبالتالي تم قطع العلاقة مع البيئة الإجتماعية والثقافة البدوية الطبيعية وأجبرت النساء على التكيف مع البيئة الجديدة. وبعد تهجير الكثير من بدو بئر السبع، استقر بعضهم في أريحا (مخيم عقبة جبر تحديداً) ومنطقة الخان الأحمر ومناطق أخرى واستمرت بعض النساء في الحرفة حتى وقت قريب في تلك المناطق التي انتقلوا إليها، إلا أن الحرفة لم تستمر حتى اليوم لإسباب عدة واقتصرت المعرفة بها على السيدات كبيرات السن، حيث عزوف الجيل الجديد من الفتيات والسيدات عن ممارسة الحرفة.


مصادر

• حمدان طه، السجاد التقليدي في السموع – السجاد والكليم التقليدي في العالم الإسلامي
• https://www.academia.edu/44627393/The_evolution_of_spinning_and_weaving_in_Greek_and_Roman_art تطور فن الغزل والنسيج في الفنون اليونانية والرومانية
• النسيج والتطريز الفلسطيني – مجلة الثقافة الشعبية – العدد 3 البحرينhttps://folkculturebh.org/ar/index.php?issue=3&page=article&id=224
• المجدلhttps://www.palestinapedia.ps//
• https://thisweekinpalestine.com/wp-content/uploads/2023/02/298-022.pdf نسيج من صوف الخروف مقاوم للماء واستخدم لتغطية "البيت الشتوي" والبيت الصيفي" كان النسيج من شعر الغنم كونه أخف، أما الرواق وهي الفواصل بين المجالس المختلفة من صوف الجمل
• https://www.palestinapedia.ps/الحرف اليدوية/
• Handicrafts in Palestine – Grace M. Crowfoot: Jerusalem Hammock and Hebron Rug Palestine Exploration Quarterly 1944
• Shelagh Weir – Spinning and weaving in Palestine- The British Museum London 1970
• Palestinian Costume – Shelagh Weir – British Museum Press – 1989
• www.alkhaleejonline.com"مهنة ال 5000 عام، أبو حنفي آخر من يحافظ عليها في غزة