حارسات التراث

سارة أبو الرب

بلد العرسان ومصيف المصطافين وموطن عيد "الفتّة". ماذا تحتاج أن تعرف أكثر عن قرية القبيبة لتدرك أنها أجمل وجهات الفصول الدافئة؟

اعتاد الحجاج المسيحيين (الكاثوليك عادة) قصد القبيبة (عمواس) شمال غرب القدس للاحتفال بعيد الفتّة. وهو العيد الذي يحتفل به المسيحيون بظهور المسيح لتلميذَيه سمعان وقالوبا في القبيبة، حيث قسم بينهما الخبز ووزعه على الناس من بضعة أرغفة كانت بين يديه فامتلأت السلال بالخبز حتى فاضت. ومن هنا اكتسبت اسم عمواس التي بنا فيها الآباء الفرنسيسكان كنيسة إحياء لذكرى ظهور المسيح.
زرتُ الحاجة نعمة زهران (66 عاماً) في دكانها وسط البلدة أواخر آذار. في الفترة التي تتحضر فيها القبيبة لعيد الفتة الذي يأتي في الإثنين التالي لأحد الفصح. في هذا الوقت من العام ينعش نسيم أوّل الربيع قلب الزوار الآتين من مختلف دول العالم. وتذكر نعمة كيف كان أبناء القرية يتحلّقون حول السور ليشاهدوا أفواج الزوار والكشافة والرهبان يضربون صاجاتهم احتفالاً بالعيد. لكن بناء جدار الضّم والتوسع قتل حركة الحجاج في القبيبة.
تتبع القبيبة لقرى بني مالك، التي كانت تقع ضمن مشيخة أبو غوش في العهد العثماني. ويروي الأهالي أن أصل تسمية القبيبة (تصغير قبّة) يعود لأسباب منها ارتفاع القباب الصغيرة فوق بيوتها قديمًا أو لأنّ مركز البلدة قائم على تلّة مرتفعة تشبه في منظرها القبّة الصغيرة. وقيل أيضًا إنّ الصليبيّين أطلقوا عليها هذا الاسم لوجود مقام إسلامي تعلوه قُبّة.

بلد العرسان

ولامتياز البلدة بطبيعة جبليّة، كانت إلى وقت قريب مصيفًا لقضاء الإجازات والنزول بها ممن يرغبون بالتنزه في تلالها وبين أحراشها الصنوبريّة. بل إن النزول بها كان يوصف كدواء للمرضى كي يستعيدوا عافيتهم. وأنشئ فندق في قمّة إحدى تلالها، فصار الناس يأتونه لقضاء شهر العسل، حتى سُمّيت "بلد العرسان". ولعلّ أشهر من نزل في فندقها الملك حسين بن طلال. وتذكر نعمة استقبال الأهالي للملك وفرق الكشافة التي احتفلت بمجيئه.

وعن أعراس بلد العرسان، حدثتني نعمة كيف كانت سيارة الزفة تقتاد العروس من بيت أهلها إلى بيت زوجها، ومن أمامها ومن خلفها رجلان من العائلة يحملان "لوكس" الكاز أو مشعلاً. أما العروس الغريبة عن القرية كانت تركب جملاً. أما وجيهة ذياب (67 عاماً) فاستعارت في يوم عرسها ثوباً لارتدائه كما جرت العادة في القرية. وفي وقت زفافها كانت موضة "الحنة بالعجينة" دارجة، إذ يتم إعداد عجينة ومدّها على شكل "ديدان" ويتم لفها على أصابع وكف العروس لتشكّل زخارف من الحنة على يديها.

وكان أهالي القبيبة يحضرون الجريشة باللحم في الأعراس. ومن الطرائف أن اللحم كان يطمر بالجريشة في وسط سدر الأكل (اللحمة في المفتول دسّ)، فيبدأ الرجال بحفر أنفاق حتى يصلوا اللحمة. وحينما يشبع الرجال يأتي دور الأطفال والنساء ليأكلوا.

ورددت لنا وجيهة بعضاً مما تتذكره من أغاني النسوة في أعراس القبيبة:

"ياللي على اللوج ميلي
والقعدة قعدة أميرة
وياللي عاللوج فزي
والقعدة قعدة عزة

***
ارفعي راسك يا ست البنات
يا بنت الحر يحيي الي ربّاك

**
هنا فوتي هنا فوتي
في العلالي والبيوت

**
وإحنا حلفنا الليلة
ما ناكل إلا زيت
يا فرحتك يا "اسم العريس"
غزالة خشّ البيت

وتذكر نعمة: "كانوا يمرّوا عن الرّهبان (الكنيسة) وأم العروس حاملة طبق قش وعليه ملح شعير وترش على الناس عشان ترقي العروس من العين لحد ما توصل لبيت العريس. والست جميلة كانت ترمي علينا ملبس بس نوصل الكنيسة". والست جميلة هي راهبة ألمانية كانت تخدم في الكنيسة وعملت قابلة وممرضة لأهالي القبيبة والقرى المجاورة. ويذكر أهالي القرية لطفها ومساعدتها لهم على الدوام. إلا أن وجيهة ذياب روت لي قصّة خطأ اقترفته جميلة حينما أشرفت على ولادة ابنها. تقول وجيهة: "غلطت غلطة كبيرة معي في ابني الصغير محمد. كنا نقحف كوسا وبدأ الطلق وما صدقني حدا لأنه جميلة قالت إن موعد ولادتي بعيد. قلت لأخي: يا حبيبي يا أخوي. بدي أولد بده ينزل الي ببطني". فأحضر إليها الست جميلة لتولدها وأنجبت طفلاً معافى يزن خمسة كيلوات. تتابع: "بس كاينة قاطمة نص الرفيقة (المشيمة). فصار معي نزيف دم. وكان ممكن أموت". تقول وجيهة إن جميلة أخفت قطع المشيمة عن العائلة، إلا أن شقيقتها عثرت عليها غارقة بدمائها في سريرها حتى وصلت دماء وجيهة الأرض. "صاروا ينادوا: وجيهة ماتت وجيهة ماتت. حملني أخوي بالبطّانية والدم كان ينقط من كواع أخوي". ونقلت وجيهة إلى مستشفى السبيس في القدس حيث أنقذت من الموت على حد وصفها.

أهل السباغيتّا!

على عكس القرى المجاورة وقرى فلسطين بصورة عامة، يقدّر أهل القبيبة أكلة ال السباغيتي أو المعكرونة. فهذا الطبق ليس من المطبخ الفلسطيني، إلا أن الرهبان الطليان نقلوا المعكرونة إلى القبيبة. وهو ما كان مدعاة للتندر من أهالي القرى والبلدات المجاورة بوصف أهل القبيبة بـ "أهل السباغيتا". تقول وجيهة، إنه حينما كان يحين موعد وجبة الغداء في مدرسة الوكالة، كانوا يحضرون المعكرونة للطالبات أحياناً. وكانت طالبات القبيبة يأكلنها بشهيّة، أما بنات بدّو فكن يشمئززن من هذه الأكلة "ويرمينها في السنسلة" قائلات: "بنات السباغيتا الله يقززكن".

إلا أن القبيبة تمتاز ببعض الأطباق التي كادت أن تختفي من المطبخ الفلسطيني اليوم. منها مثلاً الغلايس بالبندورة. وهي عجينة من الطحين وماء البندورة، التي تبشر بشراً ويضاف إليها البصل وزيت الزيتون وأحياناً الزعيتمان. ويتم تشكيلها على شكل أقراص كأقراص المشاط وتشوى بالفرن ويتناولها الناس كوجبة خفيفة.

لا يذكر أهالي القرية رهبان الكنيسة سوى بحسن المعاملة وطيب الأخلاق. وهناك قصص كثيرة يردّدها أهل القرية دليلاً على ذلك، منها فتح الدير للأهالي هرباً من القصف في حرب عام 1967. تذكر مريم حمدان (66 عاماً) هذا اليوم جيّداً رغم أنها كانت لا تتجاوز الثامنة من عمرها، تقول: "دارنا بالجبل جنب مستوطنة الرادار. لمّا شفنا الطيارات فكرنا الطيران العراقي فصار عمي وأبوي يغنوا ويرقصوا. بعد شوي بلش القصف فنزلنا على دار سيدي لنص الليل. من الخوف حكولنا اهربوا على الوديان والرصاص شغال. بالنهار صحي الوضع شوي ومعنا أطفال فصاروا هالشباب الي يطلع يجيب أكل ما يرجع".

علم الأهالي أن الدير فتح أبوابه لهم. تعاونت العائلات سويّاً لتدبير أمورها في الدير. تقول نعمة ضاحكة: "كنت فرّانة. هم يعجنوا وأنا أخبز عالصاج". وذكرت لي أن الرهبان نصحوا الأمهات بأن يلبسن بناتهن المراهقات ملابس النساء الكبار خوفاً من إمكانية خطفهن أو اغتصابهن من قبل العدو. تقول نعمة: "إمياتنا خافوا ولبسونا أواعيهن عشان نبين حجات كبار بلاش يفكرونا صبايا ويصير فينا زي بالـ48 في ديرياسين. لبست الثوب وظليت فيه لليوم".
وبعد إقامتهم في الدير لأيام وفي طريق عودتهم إلى بيوتهم لاقاهم جيش الإحتلال وأعطى الأطفال علكة بحسب قول مريم: "خفنا نوكلها قلنا أبصر شو فيها. حكولنا نرجع عبيوتنا". وتذكر مريم ما قاله أفراد من الجيش بلهجة عربيّة مكسّرة للأطفال: "حبيبي ليش إنت هون؟ يلا هلا بيجي جيش حسين بضرب بومب بعدين إنت موت. يلا يلا عند عمو حسين". وقد نزح بيت عمّ مريم فعلاً عند عمو حسين إلى الأردن إلا أن والدها وعمّها الآخر بقوا في القبيبة.

ولأهالي القبيبة أراض زراعيّة في قرية سلبيت وجوارها قضاء الرملة، ولكنهم حرموا منها إثر احتلالها عام 1948 وتهجير أهلها. تروي مريم أن والديها كانا يعزبان في سلبيت ليزرعوا حبوب القمح والشعير والكرسنة ثم يعودون في الصيف إلى القبيبة لثمار البرقوق والمشمش والعنب وغيرها.

مقامات البلدة

كان في وسط البلدة مقام إسلامي لوليّ صالح يعرف باسم الشيخ عبد الله، كان موضعه بالقرب من المسجد القديم القائم اليوم في وسط القرية (مسجد صلاح الدين)، وينسب هذا المقام إلى أحد مجاهدي جيش صلاح الدين الأيوبي، حيث استُشهد في هذا المكان ودفن فيه. ويروي الأهالي أنّ صلاح الدين أرسل ثلاثة من مقاتليه إلى القبيبة ليكونوا خطّ الدفاع الشمالي عن القدس. وأصيب أحدهم بحمى مات على إثرها ودفن في الموقع الذي أصبح أهالي البلدة يرتاده لاحقاً كمقام ديني أسموه مقام الشيخ عبد الله. أما الجنديان الأخريان فتزوجا بامرأتين من القبيبة وعاشا فيها. لذلك تنسب عائلتي مخطوب وحمودة من القبيبة إلى العراق.

وتوجد شجرة بطم بجانب المقام تخصّ الوليّ بحسب الاعتقاد الشعبي وهي شجرته التي تظلّله. ومن هناك استمدّت الأمهات شخصيّة "ستنا البطمة" أو البطنة التي تخوف الأطفال والكبار. إذ يعتقد أهالي البلدة أن من يقترب من "ستنا البطمة" يصاب بالأذى. تقول نعمة زهران: "ممنوع تمرق البنت وهي مش طاهرة عن ستنا البطنة. ولما الأولاد يدوشوا إمهم كانت تقول لهم هس بدعي للشيخ عبد الله يسخطك. وأنا كنت أتسلقط وأخاف بس أمرق عن البطنة". وتروي لنا نعمة إحدى قصص البطمة قائلة: "يوم إجا الإنجليز هان قالوا الفرسان بدنا نحط الفرس جوا المقام. حذّروهم الناس وقالولهم بتطلع الفرس مكرسحة". فردّ عليهم الجنود ساخرين: "مين الشيخ عبد الله هاظ؟! انسوا!". فخرجت الفرس من المقام "مكسرة" على حد وصف نعمة.

وكان أهالي القرية يمشون بجنازات موتى أحفاد الشيخ عبد الله من بيوتهم باتجاه المقام حيث يؤدي الصوفيون طقوس الدروشة والذكر ومن ثم يصلون عليه في الجامع قبل دفنه. وفي الأعياد تخرج الفرقة الصوفيّة من مسجد البلد باتجاه القبور لقراءة الفاتحة ومن ثم يقصدون المقام. وتختم نعمة بقصة شعبية يتناقلها أهالي القرية: "كانوا يروحوا مع الطبول والزمر ويتدروشوا ليدوخوا. ولما يقربوا من قبر الشيخ كانت الراية تميل لعنده". كما يتناقل الأهالي قصة مفادها أنهم وجدوا خوذة الشيخ عبد الله وخرقة من ملابسه في قبره بعد مئات السنين.

محتوى المدونة من مسؤولية جمعية الروزنا ولا يعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد الاوروبي