حارسات التراث

سارة أبو الرب

قبل أن أعرف كنيسة المهد والقيامة، عرفت جيّداً كنيسة العشرة البرص في بلدة برقين القريبة من بلدي جنين. وكثيراً ما كنت أستغرب عدم معرفة الناس بهذه الكنيسة التي يعتقد بأنها رابع أقدم كنيسة في العالم. في هذه الكنيسة التي تسمى أيضاً بكنيسة القديس جورجيوس، أشفى السيد المسيح العشرة البرص قبل ما يقارب ألفي عام. إذ وضع سكان المنطقة في تلك الفترة عشرة أشخاص أصيبوا بداء البرص في بئر وكان ينزلون لهم الطعام عبر فتحة، حتى أتى المسيح وأشفاهم.

ورغم أن هذه البلدة تحفل بالتاريخ المسيحي، إلا أن سبعين مسيحياً فقط يسكنها اليوم بحسب معين جبور مسؤول الكنيسة. التقينا بوالدة معين، التي لا تذكر تاريخ ولادتها ولكنّها تجاوزت الثمانين من عمرها. ترتدي أم معين الفستان الفلّاحي الحريري المورّد وتغطّي شعرها الفضّي بشال أبيض شّفاف. سألتها عن الوشم الذي رسمته على جبينها وقالت إنّها دقّته في صباها لأنه "يخفّف ألم الرأس". لم تصل أم معين كنيسة المهد أو القيامة يوماً، ولكنها واظبت على الصلاة في كنيسة برقين مع أقرانها حتى باتت آخر المصلّين فيها. "كلّ المسيحيين راحوا على الزبابدة وعمّان وظلّينا إحنا هون. بس علاقتنا بالمسلمين طول عمرها طيبة ودايما بنزورهم وبزورونا وبنفرحلهم وبفرحولنا وبنحزن مع بعض".

وتشتهر برقين بالحداية والزجالين، وتذكر أم معين منهم الحدّا توفيق أبو الحكم. وهناك شاعر شهير من برقين اسمه عساف ظاهر، كان يحيي الأعراس ويربط التراث بالسياسة في أغانيه. وكانت تقام المحاورات الزجلية بين الشعراء عن القلم والسيف الحما والكنة السمراء والبيضاء وغيرها من المواضيع.

ومن أغاني الأعراس في برقين:
لاطلع عالدرج وألوّح بيدّي
ما حدا تعذب بالغربة قدي
لارميلك حالي ولارميلك
وردة وتحرم عالنّذل ولا يشمّونه

وترد النسوة:
"جر رجالك قدامك يا (اسم العائلة) .. وأنا رجالي قدامي ألفين ومية"

أم معين جبور

تقول طليعة مشعل (78 عاماً): "أهلي لم يعرفوا الفلاحة، كنّا موظفين. أتيت إلى برقين من سيلة الظهر عروساً. ووجدتها تشتهر بالزراعة والفلاحة". كان سلف طليعة توفيق أبو الحكم، لذلك كانت تشارك في أعراس البلدة كلها. "في الأعراس كان الرجال يدبكون من ناحية والحداية يصيحون بالعتابا من الناحية المقابلة والنساء تصفق وترقص. وكنّا نغني للعروس:
يا ريتك مباركة *** علينا علينا
وتبكري بالصبي *** ويلعب حوالينا
وحينما يأتي موعد حناء العروس كنّا نردّد:

"حنوها حنوها هالعروس
يخلف على عمامها
يخلف على خوالها
هالعروس
مشوها بدلالها
هالعروس
غالية عَخولاها
مباركة ععمامها
مشوها عهينتها
هالعروس
مباركة على عيلتها
هالعروس".
وقبل اختيار العروس، تذهب مجموعة من نساء العائلة لـ"نقدها". وعن ذلك تقول طليعة: "كنا نتفحص الشعر إن كان ناعماً. يجب أن يكون شعرها أملساً وجلدها ليّناً".


وفي يوم فرحها، لبست طليعة ثوب "رمش عينه" وهو ثوب كان موضة في حينها. يمتاز بقماشه الحريري باللون الليلكي والوبر الذي يظهر وكأنه رموش. "رمش عينه الي ذبحني بدلة حرير وطالع منها رموش وَبر لبرا لون ليلكي وتفصيل بتجنن". وراج في حينها كذلك ثوب اسمه "صباح الخير"، تحاك عليه عبارة صباح الخير وتتباهى العرائس التي يشتري لها أهلها هذا الثوب لـ"جهازها" . فيما كانت ترفض طليعة لبس الثوب الفلّاحي الذي كانت تلبسه النساء في منطقتها، لأنّه يكشف منطقة الصدر. "حرام.. ما كانوا يعرفوا إنه لبسهن حرام. عمري ما رضيت ألبسه لأنه أخوتي متدينين"، تضيف طليعة.

خوّيخ أم ورق اللسان؟

تذكر طليعة أن اللبن لم يكن متوفّراً بكثرة في وقتها، فكان الناس يحضّرون الفاصولياء البيضاء المجفّفة مع اللحم والمرق لولائم الأعراس. أما الأكل في الحرب فكان مختلفاً، فلا تنسى طليعة الخوف الذي كان يحيط بالعائلات في حرب عام 67، إذ كانوا يظنون أن ما حدث في النكبة سيتكرّر معهم. وبينما كانوا يختبئون في المغر ليحتموا من القصف، تذكر طليعة أن شقيقة زوجها نجيّة كانت "تقوّي قلبها تروح تحلب وتجيب جاج وتجيبلنا نوكل".

طليعة مشعل

وتضيف أمينة شادوف (78 عاماً): "كان أكلنا بسيطاً. بقت إمي تفرم بصل على البندورة المجففة وكان أحلى من اللحمة". وتذكر كيف كانت تلقط أوراق "الخوّيخة" من الوديان لتأكل البذرة الموجودة داخلها. والخويخ نبات بريّ ينمو في الوديان ويشبه ورق اللسان بحجم أصغر. "أمي مرة لقطت الخويخ مفكرته لسينة، جابت اوقية لحم ورز ولفّته. ولما طبخناها طلعت مرّة والرز أصفر".


وهذه أبيات شعر شعبيّة عن برقين:

برقين يا أجمل صورة بتخطر عالبال
يا غنية مسحورة من فوق تلال
حفافها خضرا وحليانة ويا محلا الجو
لو تقصدها بزيارة يا عاشق لو
تلقى سواد العيون والشعر شلال
عَ شمالي شوي كنيسة
صيتها مشهور
لو تقصدها بزيارة ترجع مبهور
جاها المسيح ومن وجهه شعّ النور
شفا المرض منها ورفع الإذلال


أمينة شادوف

محتوى المدونة من مسؤولية جمعية الروزنا ولا يعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد الاوروبي