أ. محمود علي قدورة


لقد أنبأت سجلات المحكمة الشرعية في القدس الشريف، خلال الفترة الممتدة من العام 923 هجري إلى 1336 هجري أي خلال الأعوام 1517 حتى 1918 ميلادي، من عُمر السلطنة العثمانية على حجم الوقفيات العامرة والمندثرة بجميع اصنافها: الوقف الذُري والوقف الخيري ووقف الارصاد.
بحيث يستدل من تلك السجلات حالة فريدة من نوعها، إذ رصدت تطور المجتمع المقدسي بكل مكوناته، كما ورصدت مختلف جوانب الحياة التي عاشها أسلافنا بصورة مذهلة، لذلك كل من يقرأ صفحات السجلات التي بلغت 416 سجلا، حيث كل سجل يحتوي على الآلاف من المعاملات التي تمت امام القضاة ونوابهم، يشعر أنه يعيش تلك الحقبة بكامل تفاصيلها.
ليس من قبيل المبالغة أن أنقل إلى حضراتكم ما ذكرته أعلاه، ولكن يستدعي أن أنقل لكم بكل أمانة وتجرد، تجربتي الشخصية في هذا المجال، بما وجدته ووجده آخرين من بعض الزملاء الذين قاموا بذات التجربة عندما تصفحوا بعض السجلات، والتي تتلخص بأن تصفح وقراءة بعض من تلك الصحف من أي سجل، يجعل المرء في لهفة وتشوق لقراءة المزيد، وكأننا نغوص في أعماق بحر ليس له قرارا.
المذهل حقا، أن السجلات الشرعية أفصحت ورصدت عن عدد كبير من الأوقاف الإسلامية، قبل نشأة الدولة العثمانية بأعوام كثيرة خلال فترة الدولة المملوكية، والمذهل أكثر أن تلك السجلات كشفت أوقافا ذُرية لعدد من العائلات الفلسطينية المقدسية إبان الفترة المملوكية: منها على سبيل المثال لا الحصر عائلة ابن حامد الخلوتي التي تعرف اليوم بعائلة أبو السعود، وعائلة دبوس التي تعرف اليوم بعائلة عطية، وعائلة الديري التي تعرف اليوم بعائلة الخالدي....

لذلك عندما نضع الحقيقة الساطعة بين أيديكم حول حقيقة الدور التاريخي للوقف الإسلامي في المدينة المقدسة، فإننا نرسم ونكشف عن حقيقة دامغة تنبئ عن الوجود العربي الفلسطيني في القدس الشريف وبوثائق رسمية منذ ما يزيد عن 850 عاما، لأن تلك السجلات كذلك كشفت عن أوقاف خيرية وذُرية إبان الفترة الأيوبية، ورصدت أوقافا ذُرية لعائلات مقدسية تواجدت في تلك الفترة منها على سبيل المثال عائلة العلمي وعائلة الهكاري التي انبثقت عنها عائلة الامام المقدسية وعائلة آل غُضية التي تعرف اليوم بعائلتي الحسيني وجودة....
هذا الكنز التاريخي الحقيقي والقائم حتى هذه اللحظة، دفع بعض المخلصين من أهل القدس الشريف، إلى أن تتضافر جهودهم بإنشاء جمعية تُعنى بالمحافظة على الوقف والتراث المقدسي، من أجل إنشاء جيل مهتم بمصير القدس وأوقافها، وهي المهمة السامية لهذه الجمعية من أجل خلق مجتمع مقدسي متألقا ومتحضرا يُفتخر به امام باقي المجتمعات العربية والاسلامية، باعتبار أهل القدس بحكم القدر أصبحوا الأُمناء عن الأمة في الحفاظ على تاريخ السلف الصالح، لوجود عدد كبير من الوقفيات باسم الجاليات العربية والإسلامية من جميع أقطار العالم، الذين حضروا إلى القدس ووطأت أقدامهم ترابها الطاهر، مما جادوا بأغلى ما يملكوا واشتروا عقارات في القدس ومحيطها، وأوقفوها على ذريتهم أو على أعمال خيرية، كما هو الحال بالنسبة إلى الجالية المغربية وأهل بلاد الشام والحجاز، وأهل أوروبا العتيقة ممن دخلوا في الإسلام، فكانت عقارات أهل أوروبا تعرف بعائلة الرومي أو الرومية وهي كثيرة.
لذلك، صُحف سجلات المحكمة الشرعية، أفصحت بشكل منقطع النظير وبشكل لا يتصوره العقل، أن القدس الشريف تعد المدينة الوحيدة في العالم ينتشر فيها الوقف، بالنظر إلى مكانتها الدينية عند المسلمين.
ومن هذا المنطلق، وجدنا نحن في جمعية وقفنا أن نتحلى بزمام المبادرة، التي تتسم بأصدق إنباء بحب القدس، فالكلمات لا تغني عن الأفعال، ولما كانت المبادرة تعتمد على أساس جوهري في المجتمعات من أجل استمرارية حياة الأفراد فيها، ومن أجل اكمال المسيرة مستقبلا، تم اتخاذ القرار الصائب من قبل الهيئة الإدارية الثانية من عُمر هذه الجمعية، من أجل رصد جميع الوقفيات الإسلامية في القدس الشريف، ابتغاء رضى رب العالمين أولا وأخيرا، ومن ثم في سبيل الحفاظ
على مقدرات العائلات المقدسية، التي يفتخر أبناؤها بانتمائهم إلى اجداد دخلوا وسكنوا القدس منذ عشرات القرون من الزمن، فجادوا بأغلى ما يملكوا بأن أوقفوا وحبّسوا ابتغاء الأجر والثواب كصدقة جارية، ما كان في ملكهم أو ما كان جارٍ في ملكيتهم عقارات وعقارات بالتخصيص وأموال منقولة وبساتين، على ذريتهم وعلى أعمال خيرية، لقدسية المكان وأهميته المحددة في القرآن الكريم، فكانت بصيرتهم الفذة مصدر إلهام لذريتهم، وكانت حصنا منيعا في منع تهويد المدينة المقدسة.
إن مجتمعنا اليوم أحوج ما يكون إليه، هو التعرف على دور الوقف وأهميته الذي ساهم في الحفاظ على المعالم الإسلامية والعربية في القدس الشريف، وذلك كونه يشكل سدا حصينا ومانعا في مواجهة سياسات التهويد التي يمارسها الاستعمار الصهيوني، ولبيان هذا الدور يستدعي من وزارة التربية والتعليم الفلسطينية إدخاله في المنهاج التعليمي بصورة بارزة ومكثفة لدحض الرواية الإسرائيلية وتعزيز الثقافة العامة لدى الطلبة الفلسطينيين عن أهمية الوقف في المدينة المقدسة وباقي المدن الفلسطينية كمدينة خليل الرحمن التي تزخر كذلك بأوقاف عامرة.
وبالتالي، جدير ببيانه أن ما قامت به وما ستقوم به جمعية المحافظة على الوقف والتراث المقدسي “وقفنا"، يهدف إلى نشر وإبراز المكانتين الدينية والتاريخية التي حظيت بها المدينة المقدسة بين المسلمين ومن ضمنهم الفلسطينيين، لذلك نرى الاهتمام الشديد من الدارسين في الكتابة عن القدس وأماكنها الدينية والتاريخية، سببا في حمايتها من قبل العائلات المقدسية التي حافظت على معالمها الإسلامية منذ قرون، باعتبار القدس كانت ومازلت تشكل هدفا للأطماع والصراعات الدينية والسياسية المختلفة عبر التاريخ، مما جعلها مدينة غير مستقرة أمنيا وسياسيا، وهذا الواقع ينبئ عنه خضوع المدينة المقدسة اليوم للاستعمار الصهيوني.
وبناء على ما تقدم، نجد أن معظم الباحثين يتفقوا على الحجم الكبير للعقارات الوقفية الذُرية والخيرية في المدينة المقدسة، لكن لا وجود لدراسات دقيقة تحدد حجم وعدد العقارات الموقوفة، إلا أن دراساتنا وما قامت به الجمعية من رصد للأوقاف الذُرية العامرة من خلال دراستنا نقدرها بما لا يقل عن 70% من حجم البلدة القديمة، لا سيما وأن من بعض أسباب عدم وجود حصر دقيق للعقارات الموقوفة ناجم عن تعدد السلطات السياسية التي حكمت القدس، وتبعثر السجلات الوقفية وضياع بعضها وتلف البعض الآخر منذ العهد المملوكي مرورا بالعهد العثماني، إلى الانتداب البريطاني والوصاية الأردنية وحاليا الاستعمار الصهيوني، وفي كل تلك المراحل يجد الباحث والقارئ أن المسلمين بوجه عام والفلسطينيين بشكل خاص، حرصوا ومازالوا حتى اليوم على وقف كل أو بعض عقاراتهم، من أجل حمايتها ومنع ضياعها ومن أجل استمرار الحفاظ على الطابع الإسلامي في المدينة المقدسة.
ونحن في جمعية المحافظة على الوقف والتراث المقدسي “وقفنا"، أردنا أن نكون أول المبادرين بمجتمعنا لننهض به، رغم شح الموارد المالية بل شبه انعدامها، ولعدم توافر الأدوات اللوجستية المساعدة وشح المصادر، لكن تمكنا من تجاوز ذلك بمنة وفضل من الله عزوجل، ثم بالإرادة الصادقة والاخلاص في النية والعمل، فوصلنا لأهم هدف من أهداف الجمعية من خلال هذا الإنجاز وبالتعاون مع مؤسسة رؤيا، بتحديد الوقفيات العامرة التي لازالت عائلات مقدسية تنتفع بتلك العقارات سكنا واشغالا أو أنها تستلم ما هو مستحق لها من الريع السنوي عن بدل الإيجارات المتحصلة سنويا من المنتفعين بتلك العقارات.
وفي هذا المقام، لائق ببيانه أن نشير بأن جمعية وقفنا أنهت من المرحلة الأولى من عملها برصد وتحرير نصوص الوقفيات الذُرية العامرة للمسلمين بشكل عام وأهل القدس الفلسطينيين بشكل خاص، على مرّ ثمانية قرون من الزمن، التي بلغت ما يزيد عن 630 وقفية عامرة، بعدد 145 عائلة مقدسية، بحيث تمكنا من انجاز هذا العمل ونشره وهو في طور اعمال الطباعة من خلال مؤسسة الرؤيا الفلسطينية التي تُعنى بالحفاظ على إرث الأجداد من ضمن برامجها المتعددة في القدس، بأن أخذت على عاتقها زمام المبادرة، بتقديم كل التعاون مع جمعية وقفنا، من أجل نشر ما تم رصده ومعاينته من خلال ما حققته جمعية وقفنا من انجاز يتصل بالوقفيات العامرة منذ العهدين المملوكي والعثماني بالإضافة إلى العهد الأيوبي.
فهذا العمل حقيقة يهدف إلى نشر الوعي بين أبناء القدس خاصة وفلسطين عامة وللعالم، للتعمق بدراسة المعنى الحقيقي والواقعي القانوني والتاريخي للوقف وأهميته في الحفاظ على الموروث الحضاري للأمتين الإسلامية والعربية، ومن أجل المساهمة في تنشئة جيل وأجيال تبحث عن الإرث الحضاري وتساهم بالحفاظ عليه إلى يوم يبعثون.

فضلا عن ذلك، تمكنت الجمعية من رصد الأوقاف الخيرية والذُرية المسيحية في القدس الشريف التي تجاوزت 200 وقفية خلال فترة العهد العثماني على مدار 400 عام، وأوقافا أخرى لغير المسلمين، وهذا إن دل فإنه يدل على سماحة ورصانة وأريحية نظام الحكم ابان السلطنة العثمانية القائم على المساوة بين أبناء رعاياها، وهو لدلالة على استمرارية الحكم لمدة تجاوزن 4 قرون.
لذلك، تؤمن جمعية وقفنا بأن موضوع إرث الأجداد أولوية لا يضاهى به أي عمل إنساني آخر، فلم تترد الجمعية بنشر هذا العمل وفق رؤية واستراتيجية وطنية أولا، ومن أجل بيان حجم المسؤولية الملقاة على أهل القدس في الحفاظ على مقدرات الأمة الإسلامية منذ قرون، ولكشف حقيقة دامغة تظهر الهوية الراسخة للمدينة المقدسة، وهول ما عاناه أهل المدينة من ظلم وبطش خلال الاستعمار الصهيوني، لكن بقوة الايمان استطاع أهلها بصدق انتمائهم للمدينة المقدسة وتفانيهم بحمايتها، جعل التمسك بالثوابت بالنيابة عن الأمتين الإسلامية والعربية، ذو أثر بليغ من الناحية المعنوية، فكان هذا العمل المنجز وبنشره من مؤسسة الرؤيا الفلسطينية مساهمة لكشف بصيرة الأجداد والامتنان للهم في نهجهم الصالح، بوضع الحقيقة بين أيدي أهل القدس خاصة والعالم الإسلامي عامة، للتأكيد على أن الأوقاف الإسلامية في القدس كانت السبب الرئيس والوحيد في ثبات وتعزيز صمود أهلها.