المحامي خالد زبارقة

شهدت مدينة القدس الشريف في القرن الأخير أحداثاً وظروفاً استثنائية أثرت بشكل مباشر على الأوقاف الإسلامية فيها وغيّرت في واقعها، حيث تعددت القوانين التي تُنظم أحكام الوقف الإسلامي في مدينة القدس تبعاً لتعدد الأنظمة التي حكمت هذه المدينة في هذه الفترة ذات الأحداث المتعاقبة، ابتداءً من الحكم العثماني، ومروراً بالانتداب البريطاني، ثمٌ الحكم الأردني للضفة الغربية والقدس الشريف، وانتهاءً بالاحتلال الاسرائيلي منذ عام 1967 مـ.
ويُقصد بالنظام القانوني بمعناه العام بأنّه " مجموعة القواعد القانونية العامة المُنظمة لشأن معين في بلد معين في زمن معين" ، ويُقصد به أيضاً "مجموعة الاجراءات والقواعد التي تبني عليها الدولة أفكارها ومبادئها وتقتبس منه قانونها".
ويُقصد بالوقف الإسلامي بأنّه: "حبس العين عن تمليكها لأحد من العباد، والتصدق بالمنفعة على الفقراء ولو في الجملة أو على وجه من وجوه البر " ، وبالمعنى الخاص في العقارات نقصد به تلك العقارات التي تمّ وقفها شرعياً ومنع التصرف برقبتها بالبيع وغيرها من التصرفات.
وبهذا يمكن تعريف النظام القانوني للوقف الإسلامي في القدس الشريف بأنّه:" مجموعة الإجراءات والقواعد القانونية التي تُنظم أحكام وشؤون ومعاملات الوقف الإسلامي في مدينة القدس".
إنّ موضوع النظام القانوني للوقف الإسلامي في القدس الشريف هو موضوع قانوني مُعمّق، نظراً لما تتمتع به عقارات الوقف الاسلامي في مدينة القدس من أهمية خاصة بالنظر الى مكانتها الدينية والتاريخية من ناحيةـ، وبالنظر الى حجمها الكبير والمنتشر في كافة أرجاء المدينة من ناحية أخرى، حيث تُقدّر نسبة العقارات الوقفية في البلدة القديمة قبل التوسعى الصهيونية إلى 67%، ووصلت نسبة الأوقاف في المدينة ككل إلى بحوالي 80%.
بالإضافة، إن موضوع النظام القانوني للوقف الإسلامي يحمل أهمية عملية كبيرة بحيث يُثير تساؤلات عملية جديرة بالبحث والاهتمام تمس المصالح والحقوق المتعلقة بالأوقاف الخيرية والذُرّية عموماً، حيث أدت الأحداث المتلاحقة التي مرت بها مدينة القدس الشريف في القرن الأخير الى تبعثر هذه القوانين المنظمة للوقف الاسلامي بسبب عدم ثبات واستقرار النظام السياسي والإداري في المدينة، الأمر الذي صعّب مهمة الباحثين والمتعاملين معها عموماً.
ولم يكتفِ الاحتلال الإسرائيلي بهذا الحد فحسب، بل قيّد عمل المحاكم الشرعية ودائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية فيما يتعلق بشؤون الوقف وطرق إدارته في جوانب عديدة، فضلاً عن تقليص الاختصاص في النظر في مسائل الوقف بين المحاكم الشرعية الإسرائيلية والأردنية من جهة، وتوسيع تدخل المحاكم النظامية العامة في مواضيع الأوقاف من جهة أخرى.
ولا يُنكر أحد أنّ هذه المؤسسة القانونية للوقف قد وقفت سدّاً منيعاً أمام الاحتلال يمنعه من التلاعب في الأراضي والعقارات أو شرائها أو التصرف فيها، باعتبار أنّ رقبة هذه العقارات الوقفية محبوسة عن التصرفات الناقلة للملكية وأنّ منفعتها مُسبّلة في أوجه البر العامة، ولذلك وجد الاحتلال الاسرائيلي نفسه أمام عقبة تمنعه من تحقيق غاياته ومراميه في تهويد مدينة القدس والسيطرة المطلقة على أراضيها.
ومن هنا بدأ الاحتلال بتشريع القوانين العنصرية التي تسمح له بمصادرة واستملاك عقارات المقدسيين عموما، ومن ضمنها العقارات الوقفية، تحقيقاً لغاياته التهودية، وسخر جميع إمكانيات الدولة ومؤسساتها وأدواتها في خدمة هدفه الرئيسي في السيطرة على الأراضي في مدينة القدس الشريف بأي طريقة كانت. وتعددت هذه القوانين الاحتلالية، فمنها قانون أملاك الغائبين وقوانين التنظيم والبناء وقوانين الاستملاك وقانون الحدائق الوطنية والمحميات الطبيعية التي تمّ بموجبها مصادرة آلاف الدونمات والعقارات الوقفية والمقابر.
تسري على الأوقاف الإسلامية في القدس الشريف مجموعة من القوانين الأردنية التي تطبقها المحاكم الشرعية الأردنية والتي ما زالت تعمل في شرقي القدس استمراراً للدور التاريخي للأردن في المدينة )المبحث الأول)، ، وفي المقابل فقد فرض الإحتلال الاسرائيلي مجموعة أخرى من القوانين التي تُطبق جبراً على هذه الأوقاف أيضاً. (المبحث الثاني).


أنظر: د. عباس الصراف وجورج حزبون، المدخل الى علم القانون، دار الثقافة، عمان – الأردن، الطبعة الأولى 2008 مـ، ص 20. وأيضاً: د. عوض الزعبي، المدخل الى علم القانون، دار وائل، عمان – الأردن، الطبعة الثالثة 2007 مـ، ص 8.
أنظر": د. عكرمة صبري، الوقف الإسلامي بين النظرية والتطبيق، دار النفائس، عمان – الأردن، الطبعة الثانية 2011 مـ، ص 41-42.
وقد عرّفه آخرون بأنّه:" حبس مؤبد أو مؤقت لمال، للانتفاع المتكرر به أو بثمرته في وجه من وجوه البر العامة أو الخاصة". وأنه:" تخصيص مال معين ليصرف من ريعه على جهة معينة".
أنظر: محمد قدري باشا، قانون العدل والإنصاف في حل مشكلات الأوقاف، مؤسسة الريان، الطبعة الأولى 2007 مـ، ص 25.
انظر: د. سامي الصلاحات، الأوقاف الإسلامية في فلسطين ودورها في مواجهة الإحتلال الإسرائيلي، الطبعة الأولى 2011، مركز الزيتونة للدارسات والاستشارات، بيروت – لبنان، ص 75

لقراءة البحث كامل، الرجاء الضغط على الرابط التالي:

https://acrobat.adobe.com/link/review?uri=urn:aaid:scds:US:02fb36ed-aff2-3d1e-852f-31814da8308b