مركز التعليم البيئي

يحرص مركز التعليم البيئي/ الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة، منذ تأسيسه عام 1986، على الترويج للبدائل العضوية والآمنة، ويحذر من الإفراط في الاستهلاك، ويدعو إلى تفادي الكيماويات، وتجنب هدر الطعام، والعودة للأطباق التراثية، ويحث على انتهاج نمط الاستهلاك والإنتاج المستدامين، باعتبارهما أحد أهداف الألفية الإنمائية 2030 للأمم المتحدة.


بقلة\ فرفحينا

فلسطين: ثراء الطبيعة

تتميز فلسطين التاريخية بموقعها الجغرافي العالمي بين ثلاث قارات: آسيا، وأفريقيا، وأوروبا، وبالرغم من صغر مساحتها، لديها تنوع كبير في عناصر المناخ، وبأربعة أقاليم نباتية: البحر الأبيض المتوسط، والصحراوي، والإيراني –الطوراني، والتوغل السوداني، ما ينعكس على تنوعها الحيوي، بأعداد نباتاتها.
تشير بيانات سلطة جودة البيئة المنشورة إلى أنه تم تحديد ووصف حوالي 2,750 نوعاً من النباتات البرية في فلسطين التاريخية ضمن 138 عائلة، ويصل عدد الأنواع النباتية المتوطنة منها في فلسطين إلى حوالي 261 نوعاً، منها 53 نوعًا خاصًا بفلسطين.
أما في الضفة الغربية وقطاع غزة يوجد حوالي 2,076 نوعاً نباتياً، منها 90 نوعاً مهدداً بالانقراض، و636 نوعاً سجلت كحالة نادرة جداً، وبلغ عدد الأصناف النباتية النادرة 391 صنفاً أي ما نسبته 20% من إجمالي الأصناف النباتية، و68 صنفاً نادراً جداً أي ما نسبته 3.5% من إجمالي الأصناف النباتية في فلسطين. وفي قطاع غزة بلغ عدد الأصناف النباتية النادرة 155 صنفاً أي ما نسبته 12% من إجمالي الأصناف النباتية، و22 صنفاً نادراً جدا أي ما نسبته 1.8% من إجمالي الأصناف النباتية.

إرث

حرص الأجداد على اللجوء إلى الطبيعة باعتبارها ملاذًا ومتنفسًا ورافدًا للمطبخ، لقد كانوا في تواصل دائم مع الطبيعة، وتوارثوا الغذاء والدواء منها.تبدأ دورة الأرض مع أول هطول مطري، ويسعد الفلسطيني بنمو غطاء نباتي يمتع النظر، ويعني للأسرة التي كانت ممتدة، الغذاء والمتعة، ولم يقتصر هذا على إعداد المائدة، بل انتقل إلى إعداد المشروبات، وصناعة الحلوى، ووصفات طبية شعبية عديدة، كما قدموها كأعلاف لثروتهم الحيوانية ودواجنهم. هناك عشرات النباتات التي تشق طريقها للمائدة، ويكاد حصرها الدقيق، والتعريف بطرق قطفها، وإعدادها، وحفظها تحتاج مسألة كبيرة، غير متاحة في هذه النشرة.


زعمطوط

شومر برّي

تجمع العائلة الخبيزة من الوديان والسهول والبساتين، وتقطف العوينة، والسلك، والزعتر، والعلك (العلت) وورق اللسان (لُسينة القدس)، والحُميض، واللوف، والزعمطوط، والعكوب، والسميعة، والسنارية وأصناف أخرى في الشتاء لتزين بها المائدة.
مثلما تسر بالبابونج، والميرمية، والزعيتمان (زعتر بلاط)، وحصى البان، والشومر، والزعتر الفارسي، وغيرها في إنتاج مشروبات ساخنة، ووصفات علاجية.
وبالانتقال من الشتاء إلى الربيع والصيف، تقطف الأمهات والجدات البقلة (الفرفحينة) في طبق شهي، ويبحثن عن السميعة، والإصيبعة (السيسعة)، وفي الصيف والخريف يجري جمع السماق، والدوم، والزعرور، والقيقب، والبلوط، والخروب، واللوز، والزيتون-سيد الأشجار- وغيرها.
لم يقتصر استهلاك العائلة للطعام مما تنبته الأرض بشكل سريع، بل كانت تحفظه للشتاء بالتجفيف والتمليح والتخليل أو في صناعة الحلويات والمربى. فيما واتسعت استعمالات عصير الخروب إما شربه باردًا، أو بإضافة الحليب عليه، أو صناعة الحلويات منه مع مواد أخرى.
كانت البندورة تجفف بالملح، أو تطبخ على النار لتكون كالُرب، فيما كانت البامية والفلفل تجفف في قلائد وتحفظ للشتاء، وكان الزعتر هو الأخر يجفف ويضاف له السمسم ليصير دقة، وحرصت العائلات على صناعة المربى من القرع والعنب والمشمش والبرقوق، وإعداد رب الخروب، وصناعة السليقة من القمح بعد سلقها وجرشها لتصبح برغلاً، أو قطفها خضراء لتكون فريكة تتسيد الموائد، عدا عن تخزين الحمص، والعدس، والفول والبقوليات الأخرى.

أما الزيتون فهو بحد ذاته ثروة للعائلة، إذ تستثمر كل جزء من هذه الشجرة المباركة، الثمار للزيت أو للزيتون الأخضر والأسود (رصيع أو رصيص أو جرجير)، والأغصان للتدفئة وإنتاج الخبز، والزيت القديم لصناعة الصابون، ومخلفات العصر (الجفت) للتدفئة. كانت العائلات تكتفي ذاتيًا، وتمتلك سيادة على غذائها، وتنتج طعامها بنفسها، وتوفر الثروة الحيوانية والبيض والألبان والأجبان والزبدة ذاتيًا، والعسل وإن على نطاق ليس واسعًا. وكمثال على الأمن الغذائي، كان طبق المجدرة من ألفه إلى يائه ذاتيًا، فالبصل من حديقة البيت، والعدس من الحقول، والبرغل من القمح المعد ذاتيًا، ولاحقًا صار الأرز يدخل مكونًا ثانويًا.

كان الموروث الغذائي متشابهًا في معظم المناطق، فورق العنب (الدوالي)، واللسنية، والزعمطوط يضاف لها الأرز واللحم، والخبيزة تطهى مع البصل ويضاف لها الليمون، والعكوب مع اللبن أو البيض، والسلك والعوينة والسبانخ والزعتر تعد كشطائر (قراص) بإضافة البصل والسماق. والمختلف تعدد التسمية لبعض النباتات، ووجود اختلافات بسيطة في التحضير، فمثلا الأسماء العربية المحلية الشائعة للزعمطوط متعددة (قرن الغزال، صابون الراعي، غليون القاضي، كعب الغزال، ركف، حنون زوزو، بخور مريم، زعمطوط، تاج سليمان، منوم الحوت (السمك)، ذنيبة الخاروف، زقوقيا، وسكوكو وزقوقو، جرين الحمام، قرعة سيدي، غليون الواوي، قريعة، جوز الحمام، برج الحمام، خروف أبو علي، خيزران).

جهود خضراء

يشجع مركز التعليم البيئي على البحث الميداني واكتشاف التنوع الحيوي والتعريف به، فقد طوّر الحديقة النباتية، الممتدة على أكثر من 40 دونمًا، وتضم العشرات من الأشجار والأزهار والنباتات الأصيلة والمهددة بالانقراض، ويشرح للزائرين أهميتها وطرق استخدامها، ويدعو إلى تفادي القطف والرعي والقطع الجائر لها. ويكرس المركز مفهوم الصيدلية الطبيعية، وينقلها إلى زائريه، ويدعم ذلك بالأعشاب العطرية والنباتات الأخرى، ويساهم في حماية الأنواع وحفظها وتكثيرها. كما يعلم أطفال رياضه الخضراء في طوباس وبيت لحم، وطلبة المدارس المنخرطين في النوادي البيئة، والهوية الوطنية، والمنتديات النسوية، والشبابية، عبر المسارات البيئية، والأنشطة، والمهرجانات الحرص على التنوع الحيوي والتشجيع على العودة إلى الأطباق التراثية، وينفذ أطباقًا صحية وتراثية. أصدر المركز أجندته الخضراء على مدار 8 سنوات، التي سردت حكاية 96 زهرة فلسطينية من بابها لمحرابها، واسمائها العلمية، وأماكن نموها، واستخداماتها العلاجية، وتحدثت مثلا عن سوسن فقوعة الزهرة الوطنية، وتنقلت إلى الفيجن، وجاءت على ذكر القريص، وقدمت خف الجمل، وأشارت إلى البقلة، وسردت حكاية الشتيلة، والجزر البري، وعرفت بالعلندة، والحميض، والرتم، والخردل، والمُرار. وقدمت معلومات وحقائق تتصل بالتنوع الحيوي الثري في فلسطين، عبر عشرات الصور.
تنوعنا الحيوي أساس موروثنا الغذائي فلنحافظ عليه.