روان أبو غوش

إن هذا المقال جزء من بحث تم إعداده قبل شهرين من حرب الإبادة الجماعية، التي تشنها "إسرائيل" على قطاع غزة، فلا الأرض ولا السماء ولا البحر، بقي على حاله في غزة ولا ندري حال الشخوص الذين تم إجراء المقابلات معهم وما هو مصيرهم، حيث حولت إسرائيل" غزه ، فعلاً، إلى " كرة نار" أو جهنم الله على الأرض، ولكن تبقى غزه تلك الحسناء في خاصرتها وبين أصابعها تُزهر الزنابق، "وتبقى صامدة ما دام البحر.

لا يمكننا إغفال دور المرأة في صناعة الصيد، فعلى الرغم من أن الصيد غالياً ما يعتبر نشاطاً يقوم به الرجال، إلا أن المرأة الفلسطينية في غزة، لها دور هام وحيوي في هذا المجال، فهي تساهم في حياكة الشباك وإصلاحها، وتقوم بتجهيز الأدوات والمعدات اللازمة للصيد، وتساعد في تنظيم العمليات اليومية للصيد في الإطار الأُسري لعائلات الصيادين، فهي مهنة عائلية يتم تعليمها من الأمهات والجدات، ومهنة تمتد عبر الأجيال، "إلا أن الإشكالية الوحيدة تكمن ومنذ فرض الحصار من الاحتلال، الذي بات يعيق عمل النساء"، كما تقول سعاد طبش /58 عاماً/، من سكان غزة وأن فئة الصيادين باتت من أفقر الفئات في قطاع غزة، وتذكر أنه في حرب 2014، اعتقلت شرطة البحرية الاسرائيلية أولادها بتهمة تجاوز كيلو واحد من الحدود البحرية، إضافة لدفع الغرامات المالية، وتدمير غرف الصيد، التي تحتوي على كل الغزل والمعدات العائدة لهم في الميناء.
وتدمع عيون سعاد وتطلق الآهات من صدرها وهي تقول: "كله ولعّ، كل مالنا، ولغاية اليوم لم نتلق شاقلاً واحداً من مال التعويضات التي قررتها الحكومة وتقدر ب 18 ألف دولار".
وتواصل سعاد خليل الطبش، الأم لخمسة أولاد وأربع بنات، وتعلمت مهنة الحياكة، حيث تبرع في التفريق بين أنواع الشباك وتتخصص في حياكة غزل سمك الحباري والقريدس،فتقول: " لم يعد البحر كالسابق مساحة الصيد ضيّقة وعدد الصيادين كبير والرزق محدود والمتضرر الأكبر هي المرأة، خاصة المرأة، التي تعتمد هي وعائلتها على الصيد فقط، هناك عائلات لا يتعدى دخلهم الشهري ال 50 شيكلا، ولكن يبقى البحر هبة ورزق من رب العالمين".
أمّا الصيادة مادلين كلاب بكر /28 عاماً/، هي الأكثر شهرة في غزة بين الصيادين كونها المرأة الوحيدة، التي لا زالت تجازف وتدخل البحر على قاربها، ومادلين من عمر ستة أعوام كانت ترافق والدها إلى البحر وبعمر (13 عاماً) بعد مرض والدها، كانت بصحبة أخوها الصغير تُبحر بقارب مجداف للصيد وحدها، وبعدها استطاعت الحصول على قارب حسكة بماتور من قبل مؤسسة التعاون.
تتعرض مادلين كما يتعرض باقي الصيادين للمطاردة في البحر من قبل شرطة البحرية الإسرائيلية وتقول:
" في احدى المرات تم اطلاق النار عليّ من قبل زوارق الإحتلال وكدت أن أموت، ومرة أخرى تم إصابة المركب ومصادرة الشباك".
وتضيف مادلين الأم لطفلتين، وتعاني كغيرها من الصيادين في غزة من قلة الدخل لدرجة باتت لا تقوى على توفير 300 شيكلا لإدخال طفلتيها إلى الروضة قائلة: " إن مصادرة الشباك أو تخريب المراكب كارثة للصيادين، فهناك شباك يصل سعرها بين 1000-1500 دولار، إضافة إلى تهديد حياة الصيادين، فكل من يفكر بالإبتعاد عن الشاطئ وزيادة ميل واحد للصيد، يجازف بحياته وتواصل مادلين الحاصلة على دبلوم في تصميم الأزياء، ودبلوم سكرتارية، وتبرع في مجال السياحة،فتقول:" إسرائيل تمنع عنا كل شي مع أننا مجتمع صيادين، لا علاقة لنا بالسياسة، وتحاربنا في كل شيء، لقد منعتني من المشاركة في أولمبياد للسباحة وكذلك مؤتمر دولي لتمثيل الصيادين عام 2022، إضافة إلى إغلاق البحر ومنعنا من الوصول إلى المناطق الصخرية في البحر، وتقييدنا بمسافة الثلاثة أميال أو الستة أميال بحرية، وبذلك تقتصر رزقة الصيادين على سمك المواسم في اطار هذه الأميال، في حين أن المناطق الصخرية تحتوي على الأسماك طوال العام".
وتختم مادلين حديثها قائلة: " عمري كله في البحر، طفولتي ومراهقتي وشبابي وتعرفت على زوجي في البحر، وحتى بناتي الاثنتين روحهما في البحر، نحن في غزة لا أحلام ولا وجود لنا بدون البحر، ولكن المطاردات من قبل زوارق الاحتلال، وفرض الحصار، وما تخللها من حروب مدمرة متتالية ساهمت في خفض قوة الأيدي العاملة من النساء بالصيد وبالتالي قلت نسبة العائد الاقتصادي لعائلات الصيادين".
ويشارك الصياد أحمد، زوج مادلين بالحديث فيقول: " نحن صيادون لا نعرف سوى البحر، وإسرائيل تحاربنا على كل المستويات، فعندما دخل ياسر عرفات إلى غزة، صار الاحتلال يقول لنا " أنتم أولاد فتح"، وعندما حكمت حماس غزة صار الاحتلال يقول لنا " أنتم أولاد حماس"، هذا إضافة إلى إغلاق المعابر وإغلاق البحر، وإغلاق الدنيا علينا، نحن في سجن مفتوح، إسرائيل حوّلت غزة إلى "كرة نار".