محمود جودة- 28\12\2022

يفتح باب مبنى كبير على قطعة أثرية غاية في الجمال والأهمية، وما أن تتقدم بضع خطوات إلى الأمام وتنزل بعض الدرجات فإنك تدخل مكانًا يبلغ عمره 1600 عام ولا يزال يحتفظ بمكوناته الأساسية التي عملت على حفظها وزارة السياحة والآثار الفلسطينية. إنها الكنيسة البيزنطية أو كما يسميها أهل المنطقة "كنيسة جباليا" لأنها الكنيسة الأولى التي يتم اكتشافها في تلك المنطقة، وتعتبر الكنيسة البيزنطية من أهم وأقدم الكنائس في منطقة الشرق الأوسط حيث تمتد على مساحة 800 متر مربع مقسمة على ثلاثة أقسام، القسم الأول وهو مبنى الكنيسة الذي تقام فيه شعائر الصلاة، أما القسم الثاني فهو رواق العبادة، والثالث رواق التعميد.

إذا أردت أن تأخذ جولة في الكنيسة فإنك سوف تسير على جسور خشبية تم صناعتها خصيصًا من أجل الحفاظ على الفسيفساء عالية الجودة المستوحاة من الأساطير اليونانية والرومانية، مما يتيح للزوار مشاهدة كل تفاصيل الكنيسة من منطقة مرتفعة، عندما تأخذ جولة في تلك الكنيسة سوف تشعر بأن لهذا المكان سحره الخاص، ففي كل جانب فيه تشاهد نقوش الفسيفساء الجميلة التي احتفظت بألوانها ونضارتها طيلة هذه السنين الطويلة، رغم ما تعرض له المكان من تدمير وإهمال إلا أنه حافظ على أصالته، حيث يرجع اكتشاف تلك الكنيسة إلى عام 1998 خلال عملية تنقيب تمت شمال قطاع غزة بعد العثور على بعض القطع الأثرية هناك وبقي المكان على ما هو عليه ولم تحدث عمليات تنقيب حتى عام 2010 أثناء أعمال تعبيد شارع صلاح الدين وهو الشارع الرئيسي الذي يربط بلاد الشام كلها بمصر، ومع الاكتشافات المتكررة لبعض القطع الأثرية زاد الاهتمام بضرورة البدء في أعمال ترميم للكنيسة والكشف عن محتوياتها سيما أنها تقع في هذه المنطقة التي تعد من أهم طرق المواصلات في العهود القديمة.
يعود تاريخ بناء تلك الكنيسة إلى عام 444م واستمر وجودها منذ الفتح الإسلامي لفلسطين عام 637م حتى زمن الخليفة أبو جعفر المنصور، كما وعاصرت الكنيسة 24 إمبراطورا بيزنطيًا و14خليفة إسلاميًا وهذا يدل على أهمية تلك الكنيسة، والتعايش الذي كان حاصلًا بين المسلمين والمسيحيين على مر العصور.
كما وأوضح المختص في الأثار الأستاذ فضل العطل في حديث معه أثناء رحلة استكشافية للكنيسة أنها تحتوي ستة عشر نص تأسيسي باللغة اليونانية القديمة، حيث تعدّ من أكبر النصوص التي تكتشف داخل كنيسة، كما أنها تحتوي على أرضيات من الفسيفساء تزينها بعض اللوحات التي تحتوي على رسومات لبعض الأطعمة منها الخرشوف والأسماك والخبز وباقة من الزهور وغيرها الكثير من الزخارف التي تحتوي على مناظر آدمية وريفية وأدوات الطبخ وزخارف هندسية وحيوانية وقد تعرضت للتخريب جراء العدوان والقصف الإسرائيلي المتكرر.
أنشأت الكنيسة على الطراز البازليكي وهو نوع من المباني الكنسية المعبرة عن الفن الروماني ويأخذ شكل المستطيل مع صحن مركزي وممرات مع منصة مرتفعة قليلاً وحنية في أحد الطرفين أو كلاهما، كما وتضم الكنيسة في زواياها قبورًا وأرضيات فسيفساء وحولها أعمدة رخامية يعود زمن بنائها إلى عصر الإمبراطور البيزنطي ثيودوسيوس الثاني وذلك حسب آخر نص تأسيسي وجد لها.
في الرابع والعشرين من شهر فبراير من هذا العام (2022) تم افتتاح موقع الكنيسة الكائن في مدينة جباليا على شارع صلاح الدين للزوار بعد الانتهاء من عمليات الترميم، حيث يقوم المكان الآن باستقبال العديد من الزوار بشكل يومي مما يدعم بقاء الكنيسة حاضرة في الذاكرة اليومية الفلسطينية لتبقى موروثا ثقافيًا وتاريخيًا للشعب الفلسطيني، وهنا يقع علينا واجب كبير في تعريف الطلاب والمهتمين بضرورة زيارة هذه الكنيسة والتعرف عليها كي نبني ثقافة توحدنا جميعًا كما وحدت أجدادنا من قبل على اختلاف دياناتهم.