حارسات التراث

فنتينا شولي

"باسم الله، باسم الخبطة، باسم الله، باسم الخبطة، باسم الله، باسم الخبطة، وخبطت (داست) على ظهري وشفيت من الألم" تصف الستينية عائشة عبد الله كيف قامت سيدة مسنة في قرية دير عمار شمال غرب رام الله بشفائها من آلام في الظهر، عبر طريقة مسماة "الخبطة" متوارثة منذ سنوات طويلة، وكان مصدرها الأول "الغولة" التي سكنت كهفاً في جبال القرية.

تتابع عائشة قصة الغولة، التي كانت تقطع الطريق على المزارعين، وتخيفهم، وتأكلهم وتدمر مزروعاتهم خاصة في ساعات الليل، فالنساء والرجال الذين يسلكون هذه الطريق للوصول لعين الماء أو الحقول القريبة، باتوا يخشون المرور من هناك، وفي إحدى المرات كان أحد رجال دير عمار واسمه أبو داوود، يعمل في أرضه، حين اختبأت ابنة الغولة في عباءته التي كان يجمع فيها القش، قبل أن يحملها على ظهره ويعود بها إلى المنزل.

"حطوني في الخابية، وطعموني زلابية"

"ستأكلنا الغولة" لطمت عائشة على وجهها في محاولة لتشبيه ردة فعل زوجة أبو داوود عندما وجدت الغولة الصغيرة داخل العباءة، وأقنعت زوجها بوضعها في الخابية (مكان تخزين القمح قديماً) وإطعامها زلابية (طحين وزيت)، وفي الليل خرجت الغولة للبحث عن ابنتها، وعندما وصلت إلى حي أبو داوود، اشتمت رائحتها، وبدأت بالطرق على باب المنزل، وهي تصرخ على ساكنيه، لكن ابنتها قالت لها "ما تئذيهم يا يما، حطوني في الخابية، وطعموني زلابية".

تقول عائشة بحماس إن الغولة قررت مكافأة الأسرة، فطلبت من الرجل مد يده أو إصبعه، لكنه رفض خوفاً منها، فقامت الغولة بالطواف سريعاً على الكثير من الحقول وإحضار مزروعات وماشية لإقناعه بأن نيتها جيدة وطلبت منه مد قدمه، وعندما استجاب أبو داوود، داست على قدمه، وقالت له: "هاي الخبطة معك لسابع ولد، تشفي فيها المرضى"، وهذا ما كان، والحاجة الموجودة حاليا هي الابنة السابعة والأخيرة من جيل "الخبطة".

تشير عائشة إلى أن من يزور مغارة الغولة هذه الأيام، سيرى آثار حرق على جدرانها، وذلك لأن أهالي قرى دير عمار، والجانية وراس كركر، جمعوا الحطب من عدة مناطق، وذهبوا للمغارة ليلاً وأشعلوا فيها النار، لأنهم ضاقوا ذرعاً بالغولة وأفعالها، بعد أن التهمت أحد أطفال القرية.

أثناء الحديث كانت تجلس بجانب عائشة صديقة طفولتها رحمة مصطفى، اللتان لم تفترقا منذ كانتا في المدرسة تضحك رحمة وتقول "كنا في نفس المقعد في الصف الأول، وما زلنا نسكن في ذات الحي حتى بعد الزواج"، وتترافقان إلى دورة تحفيظ القرآن وإجراء الفحوصات الطبية الدورية وغيرها من الأمور، وتشاركان سوية في الحديث عن القصص التراثية في قرية دير عمار.
تتحدث السيدتان في ذات الوقت بحماس عن قرار حرق مكان سكن الغولة الذي اتخذ بشكل جماعي، وحينها تقرر عائشة أن تفسح المجال لرحمة لإكمال القصة، التي أوضحت أن مثل هذه القرارات كانت عادة تؤخذ في ساحة البلدة الرئيسية آنذاك، التي أيضاً تجمعهم لتناول الطعام في رمضان، واستقبال الضيوف، ولكن من أبرز معالم الساحة كان مقام الشيخ طامح.

الشيخ طامح توفي فور كشف سره

تقول رحمة إن طامح هذا كان يعمل عند أحد وجهاء القرية قديماً، وفي يوم قرر رب عمله الذهاب إلى الحج، وفي غيابه أعدت زوجة سيده (وجيه القرية) "المطبق" المكون من زيت وسكر وطحين مخبوز في الطابون، ليقرر الشيخ طامح أن يرسل لسيده طبقاً منه إلى جبل عرفات، فتعجبت معدة المطبق كون المسافة بعيدة وسيحتاج أياماً ليصل، ما يعني أن الطعام سيبرد وقد يفسد، لكن طامح قال لها أعديه ولا تقلقي، متابعة (رحمة) أن الناس تقول إن طامح طار سراً من دير عمار إلى جبل عرفات في السعودية وأوصل الطبق خلال الليل وعاد قبل طلوع الشمس إلى المنزل دون أن يخبر أحداً بذلك.

تصمت رحمة لترى الدهشة على وجوه الجالسين، ثم تكمل قصتها، أن سيده حين عاد من الحج واستقبل المهنئين قال لزواره "إن هذا الحج ليس لي، هذا لطامح"، وأخبرهم بقصة المطبق، حينها استاء طامح من ذلك، وقال لرب عمله: "لقد أفشيت سري"، ومات على الفور، فدفنه الناس في الساحة وبنوا له قبراً بات مقاماً فيما بعد.

هنا تعود عائشة لتمسك زمام الرواية، بقولها: "أتذكرين الطفل الذي توفي بعد تبوله على المقام؟، الطفل المسكين لم يكن يعرف قدسية المكان"، فقبر الشيخ طامح كان وجهة لمن لديه نذر، أو دعاء أو طلب، كما أن الناس كانت تذهب للصلاة عنده، والبعض كان يجمع قشاً من حول القبر ويغليه على النار ويقدمه كشراب للمرضى إن وجدوا في أسرهم.

الفضول الذي أثارته قصة عائشة ورحمة عن ساحة البلدة القديمة ومقام الشيخ طامح، دفعنا لزيارة المكان لالتقاط الصور ورؤية المكان عن كثب، ولكن فوجئنا أن البلدة القديمة تحولت معظم بيوتها إلى ركام حجارة، وباتت الأشواك والنباتات البرية تملؤها، أما قبر الشيخ طامح فمغطىً بنباتات شوكية، ونصف شاهده محطم، لأن لصوص الآثار كانوا يظنون أن شيئاً مخبأً فيه.

محتوى المدونة من مسؤولية جمعية الروزنا ولا يعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد الاوروبي