حارسات التراث

سارة أبو الرب

كان "الظاهر بيبرس" هو أول ما خطر في بالي عند ذكر اسم مدينة الظاهرية. وبعد بحث سريع تبيّن فعلاً أن لهذا القائد بصمة تاريخية هامّة في الظاهرية، حيث رأى في موقعها مكانًا استراتيجيًا عمل على تحصينه واتخاذه نقطة انطلاق لقتال "الفرنجة". لكن ما رأيته في زيارتي لهذه المدينة الواقعة أقصى جنوب الضفة الغربية أثبت لي أنها تفيض بالشواهد والحكايات على حضارات تعاقبت وتركت إرثاً معماريّاَ بديعاً. إذ عرفت الظاهرية في الفترة الكنعانيّة القديمة باسم "غوشن"، وتضمّ حتى يومنا آثاراً رومانيّة وبيزنطية وغيرها.

الطريق إلى الظاهرية كانت ساحرة. فلم يسبق لي أن زرت مناطق جنوب الخليل. وبينما كانت الجبال والتلال الخضراء تحتضن الطريق من طرفيه، كان جدار الفصل العنصري يعكّر صفو اللوحة الزاهية. بعد ترميم مباني البلدة، أعيد ترتيب بعض من حجارتها القديمة. فتلحظ مثلاً أن حجراً برسومات رومانية قد وضع ليسند الجامع العمريّ للبلدة. وتكثر على واجهات المباني أحجار نقش عليها كلمات وأحرف عربية ويونانية تعود لفترات مختلفة كالبيزنطية والإسلامية والصليبية. ومن أكثر ما لفتنا خلال جولتنا، هو وجود حجارة ضخمة في مباني المنطقة القديمة، يقارب طولها الثلاثة أمتار.

بدأت جولتنا في الظاهرية من بلدتها القديمة. إذ تزخر المدينة بالتراث المعماري، لأنها تحوي نحو 2.5% من تراث فلسطين المعماري. وفي بلدتها القديمة، تشكّل منطقة "الخوخة" مركزاً غنيّاً بالعمارة التاريخية. ويقصد بالخوخة في العمارة الفلسطينية الفتحة الصغيرة التي تعلو البوابة وتسمح بمرور الإنسان. ويسمى المبنى الرئيسي في هذه المنطقة بـ"الخوخة" ويتكون من عشر غرف متفاوتة في المساحة، منها قاعة سفلية كان يطلق عليها "جامع الخوخة". فيما تأخذ طوابقه العليا نمط القلعة الصغيرة، إذ استخدمت كمركز للقوات العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى.

كانت الخوخة مركزاً اجتماعياً للقاءات ومناسبات البلدة، إذ كانت مواكب زفّات العرائس تسير في منطقة الخوخة وتصل حتى مبنى أثري اسمه "القيصرية" وسط البلدة. وهناك يبيت الأزواج حتى "يسبّعوا" حسب قول الحاجة تمام عيسى (92 عاماً). وفي القيصرية كان الرجال قديماً يفرشون عباءاتهم ويتمدّدون أو يتناولون وجبات الطعام في أيّام الصيف، لأن المبنى بارد صيفاً وقبّته تقي من أشعّة الشمس. "تحت القيصرية بكون من الحدّ للحدّ ملظومة زلام عالسطرين. كلها ختيارية فارشين فراش ونايمين فيها"، تقول تمام.
وفي زفافها كباقي نساء الظاهرية، ركبت تمام على الجمل وتبعها موكب من النساء والخيول. وكان "جهاز العروس" المكوّن من وسائد وشراشف وأغطية محمّلاً على ظهر الجمل، الذي تقوده ابنة خالة العروس.

خلال جولتنا، زرنا منزل أم تيسير في منطقة الرّماضين جنوب الظاهرية. فردّدت أمامنا بعضاً من مهاهيات النسوة في الأفراح. فمثلاً كانت النساء من عائلة العريس تستقبل ضيوف الزفاف بقولهن:
"هو هوو ويا مرحبا يا ضيوف لو ضفتونا
هو هو وآويتوا المنازل ووانستونا
هو هو والعقبى عندكن وييجيكن زي ما جيتونا"
فيما كنّ يتغنين بجمال عروس ابنهن بقولهن:
"ميلي على الجنبين ما إنت مايلة
يا نخلة بين الجبال العالية
لا إنت من الشناتي يرخص حقك
ولا من الخيل الأصايل غاضية
يا مرحبابك وأهلاً وبعينك الكحلة
يا جارتي ديما (دايما) ما إنت جارة الشهر
يا طولك طول الشجرة
يا خصرك نمرة عشرة
رقبتك شربة بنور
يشربوا منها الوزرا"

اما للعريس، فكنّ يتباهين بجماله ورزانة عقله بالقول:
"لبس الجوخ بلبقلك
يا غزال الخلا طقمو على طقمك
واشتارت الناس بشورك وبعقلك
يا الأسمراني واسع الأردان
وكم مراح ضويت وأصبحت من الهمّ خالي".

أما تمام فحدّثتنا عن عرسها حينما كانت تبلغ من العمر 12 سنة: "حنوا لي شعري وإديي ورجليي وتحممت قبل عرسي بيوم. كانت النسوان تغني خمس وست وعشر ليالي قبل العرس. مش زي الحين! ويوم عرسي حمّلوني عالجمل ولبسوني جلالة وريش نعام ولبسوا الجمل منديل وبنت خالتي منديل ومشيوا فيي لعند الغماري (مقام الغماري) ولفينا حواليه. بعديها أطلعوني من بيتي وودوني على دار جوزي". والغماري هو مقام للشيخ الصوفي أحمد الغماري، الذي ترجع أصوله للمغرب. وهو مكوّن من غرفة صغيرة بداخلها محراب، واعتاد أهالي الظاهرية دفن موتاهم حوله. وكانت من لديها مشكلة صحيّة أو نفسيّة من النساء تأخذ زيتاً ومصباحاً لتضيئه عند الغماري وتدعي لحلّ كربها.

ما لحظته أن الظاهرية غنيّة بالمقامات الدينيّة، إذ ارتبطت عادات عدّة لدى أهلها بطقوس من التدين الشعبي.
فمثلاً، عند تأخر الأمطار كان الأهالي يسيرون في مواكب مناجين "أم الغيث" قائلين:
يا أم الغيث غيثينا بلّي زريع راعينا
يا رب مطر مطر والسكة والنير انهجر
يا رب يا ربنا
وإحنا صغار شو ذنبنا
يا رب بل زريع راعينا
يا رب يا ربنا
يا رب يا رب الجود
وإنت الكرم والجود
يا إم الغيث يا طقعة حرقتينا من السقعة
يا رب طعش طعش رطل القمح بأربعطعش.

تقول تمام، إن الأهالي كانوا يرشون الماء على موكب الاستسقاء وكانت إحدى النساء تتمثل بأم الغيث فيتم حملها على جمل وتزيينها والسّير فيها.ومن الأولياء الذين عرفهم أهل البلدة وتردّدوا لزيارتهم الشيخ أبو خروبة، الذي بني له مقام اعتادت نساء البلدة على زيارته وإنارة السراج له بزيت الزيتون.

وكانت النسوة تحتفل بمجيء المواليد بتوزيع الحلو والأغنيات. تقول أم تيسير: "كنا نعبي قراطيس حلو وقضامة ونوزع. وكان الفرح بالمولود أكثر من الفرح بالعرس".
وحينما يحين موعد طهور الصبيان، كانت النّساء تغني:
"طهره يا مطهر وناوله لأمه يا دموعه الغالية حَـدرَتْ ع ثـُمُّه
طـهـره يا مطهر وناوله لـخـالــه يا دمـوعه الغالية حدرت عَ خـلخاله
طـهـره يا مطهر وبموسِ الفضة واسـتنى يا مطهر تـا أمه ترضى
طهـره يا مطهـر وخفّف إيديـك لا توجـع (اسم الصبي) وندعي عـليـك".
"حفلة الطهور زي حفلة العرس، أول ليلة ذبيح والليلة الثانية فرح وييجوا الرجال عالخيل يطاردوا"، تقول أم تيسير

وحينما سألنا تمام عن الأثواب التي كانت ترتديها وتطرّزها، قالت إنها تعلّمت التطريز من والدتها وامتهنته حتى أصبحت خياطة معروفة تأتيها النساء من مختلف المناطق لتحيك وتطرّز لهم الأثواب. ومن العروق التي كانت ترسمها: عرق المناجل وعرق الورد المتصرف وعرق ردة المقلى وعرق الشماسي. أما عرق "الحماية والكنة"، فخجلت حينما سألناها عنه قائلة: "هذا أهلنا ما خلونا نساويه. حماتي كانت امرأة كبيرة وعيب!".

المطبخ الظهراوي

إلى جانب الأحاديث الممتعة عن تاريخ الظاهرية الاجتماعي و"خراريف" نسائها ورجالها، هناك "نَفَسٌ" خاص بالطعام لم يسمح لنا أصحاب البيوت مغادرتها دون تجربته. فحتى أبسط الأطباق كالبيض المقليّ كان لها مذاق مختلف مشبع بالسّمن والبيض البلدي الذي لم يعد سهلاً شراؤه في المدن. أما رائحة خبز الطابون الطازج ومذاقه فهو قصّة أخرى، فالخبز في الظاهريّة مؤهّل ليكون طبقاً بحدّ ذاته لشدّة لذاذته وطراوته. مجرّد محاولة تذكّر الطعم والكتابة عن أكل الظاهريّة تشعرني بالرّغبة بزيارة هذه المدينة المضياف أهلها ثانية.
صحيح أن منطقة جنوب فلسطين مشهورة في المأكولات المعتمدة على الذبائح، إلا أن مأكولات نباتية كالخبيزة والرقاق بعدس (الرشتاية) هي أطباق دارجة في الظاهرية وقضائها.
حدثتني أم تيسير مثلاً عن طريقة غير مألوفة بالنسبة لي في تحضير الخبيزة. ففي جنين حيث نشأت نكتفي بفرمها و"تشويحها" بزيت الزيتون مع البصل والكثير من السّماق. وفي بعض المناطق يضاف إليها الخبز أو البرغل. أما في الظاهرية، فتطهى الخبيزة على طريقة تسمى الشختورة. وهي طريقة تشبه لحدّ ما طريقة تحضير شوربة الملوخيّة المفرومة.
ومن الأطباق الشهيرة كذلك المشوّطة، التي يحمس فيها البصل مع عصير البندورة وما توفّر من خضار حتى تغلي. ويفتّ فوقها خبز الشراك (الصاج) الذي يعدّ في الطابون البلدي ويصب فوقها السمن. تقول أم تيسير: "كنت أعمل طابون كل أسبوع، لأن طينة البلاد بسرعة بتنشف. وكنت أعمل عليه الخبيز والصواني والمعمول".

مواسم التّعزيب

وبما أن معظم أهالي الظاهرية كانوا يعتاشون من تربية "الحلال"، كان التعزيب في المراعي طقساً سنويّاً خلال فترة الرّبيع. فتمام مثلاً، كانت معزبة في منطقة أم الشقف(1) خلال النّكبة. "كنا نروح نقعد في الشّق (بيت الشعر) ونحلب الغنمات ونكشّك اللبن ونجعجل(2) ونحضر السمن. ولما بخف الشتاء بنحلب وبنخض". وكانت العائلات تقضي الأيام الدافئة في بيوت الشعر والأيام الباردة في المغر. وكانت تسود أجواء الفرح بين العائلات خلال موسم التعزيب، فترقص النساء وتغني تارة، وتارة تستمع العائلات للشاعر (3) الذي يقصّ عليهم حكاية أبو زيد الهلالي مقابل "تنكات" من القمح يبيعها ليسترزق بها.

تقول تمام: "بيجي الشاعر بحزلهم عالربابة فبنبسطوا. وبيكون موسم القمح منتهي بروح كل واحد على البيت بجيب نص تنكة قمح بدل المصاري فبحوّش الشاعر من 70 لـ80 كيلو قمح وبيروحهن لعند أهله. وظلت هالعادة بين الخمسينات والسبعينات". الحياة في الظاهرية اليوم أقرب إلى المدنيّة. فهي مركز تجاريّ يجتذب الآلاف من الفلسطينيين في الداخل خاصة سكّان جنوب فلسطين والنّقب. إلا أنّها حافظت على عادات عشائريّة سادت سابقاً. فمثلاً عند الخلافات، كان وجهاء البلدة هم الفيصل في الحلّ بين المتخاصمين. وعرفوا هؤلاء الوجهاء باسم "منقع الدم". ومنهم محمد عبد الهادي أبو شرخ وعلي الطل. إذ كانوا بمثابة قضاة بين العشائر. بحكم خبرتهم بالعرف العشائري وفهمهم للعرف وتميزهم بالذكاء الاجتماعي والقدرة على الحكم.

لا يمكن أن تترك الظاهرية دون أن تلتمس حسن ضيافة أهلها وترحابهم. وبحكم أنها البوابة الجنوبيّة للضفة الغربيّة وعليها أقيم حاجز الظاهريّة (الشمعة)، فقد اعتاد أهلها على استقبال الأسرى المحررين الذين كثيراً ما تكون بيوتهم بعيدة عن الظاهريّة. وعند زيارتنا لبلدية الظاهريّة علمنا أن المجلس جاهز دائماً لاستقبال الأسرى واستضافتهم في قاعة مجهّزة للمبيت والإقامة لحين موعد مغادرتهم إلى بيوتهم أو وصول أقربائهم. أما نساء الظاهريّة، فلطالما أدين واجب الاستقبال للأسرى القادمين بالاحتفال والولائم. وروى لنا أحد الرجال أن أهالي البلدة كانوا يتسابقون لتزويج بناتهم بالأسرى المحررين، تقديراً لبطولتهم وصمودهم.

وعلى ذكر عادات الاستقبال، هذا مقطع غنته لنا تمام من أغاني استقبال الحجيج:
"هيلي وميلي يا طريق النبي
صيري طحينة تحت إجرين الحجاج
وهللت مكة وقالت مرحبا بالزايرين
هلا بالشيخ فيهم والأولاد الجاهلين
وهللت مكة وقالت مرحبا بالزايرين
مرحبا بالشيخ فيهم والأولاد الجاهلين".


1. أم الشقف: خربة محتلّة ومهجرة عام 1948
2. نجعجل: أي نحضّر الجعاجيل. والجعاجيل هي كرات اللبن المجفّفة.
3. الشّعار: شخص يتصف بمعرفة تاريخيّة وقدرة على السرد. وهو مؤرخ وحكواتي وعازف على الربابة كان يقدم عروضه للناس في الدواوين مقابل الحصيدة.

محتوى المدونة من مسؤولية جمعية الروزنا ولا يعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد الاوروبي