حارسات التراث

ريما أبو رحمة

عيدة علوان علي الملالحة، راعية أغنام من قبيلة بنى عامر، مهاجرة لقطاع غزة من بئر السبع، عمرها الآن ما يقارب ال 90 عاما. تقطن عيدة الآن في محافظ خانيونس في قطاع غزة، هي وأبناءها وزوجات أبناءها وأحفادها، حيث أنهم ما زالوا محتفظين بعاداتهم وتقاليدهم البدوية بما فيها نظام العشائر والعوائل الممتدة.

عيدة الآن لا تقوى على رعي الغنم أو العمل كما في الماضي، وقد اهداها ابنها غنمتين اثنتين لتؤنساها، لكنها لا زالت تحب الغناء والاحتفال وتشارك بكافة احتفالات العشيرة، حتى في مرحلة إعداد الطعام، حيث انها ترشد باقي النساء لطريقة إعداد الطعام "وفق الأصول"، ويقوم ابنها البكر أيضا بالمشاركة، حيث انه اخذ عن امه مهنة الرعي بالإضافة لمهارة الغناء والطهي أيضا.

قالت عيدة انها كانت تمد (أي تصنع) بيوت الشعر البدوية التي تغزل من شعر الجمال أو الغنم، باستخدام مغزل يدوي بسيط يصنع من قرن الغزال وخيط. ويسمي بيت الشعر بناء على عدد الاعمدة المستخدمة بصنعه، فالذي يحتوي 4 أعمدة يطلق عليه المروبع، والذي يحوي 5 أعمدة يسمى المخومس، وهكذا. وتقوم بتثبيت بيت الشعر بواسطة حبال وأوتاد يتم غرزها بالأرض، ثم تقوم النساء بنسج مجموعة من المفروشات واضافة الزينة التراثية وأدوات الشاي والقهوة.

لكن مهنة عيدة الأساسية التي كانت تحبها وتفضلها عن باقي الأعمال التي تفرضها عليها حياة البداوة هي رعاية الغنم، حيث اعتادت حراسة الغنم، في صحراء الجبال "من السبع وشرق"، التي تم لاحقا الاستيلاء عليها من قبل الاحتلال الإسرائيلي وتم تهجير عيدة وباق قبيلتها منها. تستذكر عيدة وهي تحدثنا طقوس رعيها للأغنام، حيث كانت تغني:

يا راعيتي مع الغنم نزهة وطول عمار يا مقعد البيت علة والهموم كثار
أي أن من يرعى الغنم يرفه عن نفسه ويزيد الله بعمره، ومن يبقى بالمنزل تزيد همومه كالعلة على القلب.

يا حليلكم يا الغنم يا حليل راعيكم يا مسعده الي يسرح معاكم ويداريكم
متغزله بجمال الغنم وجمال من يرعاهم، وسعادته عندما يعتني بهم وبرعاهم.

العيادات والطهور

تعرف قبيلة بني عامر (الملالحة) بطقوسهم الفريدة من نوعها، والغريبة لدى البعض، عند الاحتفال بمناسباتهم المختلفة. ومن الجدير بالذكر ان أيام احتفالاتهم ومقدار أهميتها تختلف عن باقي الفلسطينيين، حيث انهم يبدون أهمية كبيرة جدا لاحتفالات طهور الابن مثلا، فيطلقون عليه العيد أيضا، ويقومون بنفس مراسم الاحتفال ولكن ليوم واحد فقط، أما الأعياد الأخرى، فهم يحتفلون بعيد الفطر بما يسمونه (العيادات) لمدة 10 أيام قبل حلول العيد، أي أخر 10 أيام من شهر رمضان المبارك، وكذلك بعيد الأضحى، فيبدأ الاحتفال يوم العيد لمدة 10 أيام تليه أيضا.ويشارك بهذه الاحتفالات جميع أبناء العشيرة، يحضر كل راعي واحد أو اثنين من إبله، ليتم ذبح "ما يقارب ال 30 رأس" تقول عيدة، وتبدأ السيدات بإعداد الأرز والجريش ليؤكل بجانب الذبائح.

أقدم يا عيد قدمك مبارك يا عيد
أقدم عالحنة ورش المغادف يا عيد
جانا العيد عغفلة لا حنة ولا قبلة

"يعني اجا العيد وحنا غفلانين لا عملنا حنة ولا طرزنا توابنا"، ويعرف ان النساء من قبيلة بني عامر بالاحتفالات والأفراح يرتدين الشال الأبيض الطويل أو البرقع المضاف اليه دراهم عثمانية فضية أو ذهبية اللون والثوب المطرز، والبعض يرتدي ال "شناف"، وهو حلق للأنف كبير الحجم ومزخرف.

وأكملت عيدة، وهي تصف احتفالاتهم بسعادة شديدة:
"بالعيد في هجن واركاب، وابني يشد هجن واركاب والبنات يغطن وجوهن ويعيدن:

واجت من غريب تطفيحه شوف الركايب1
ولد يهب الريحي وارخي ريسنهي
وصلي واذكري محمد يا ملوك البلاد
ورقاب الوز المسند شوف الركايب2

على شط البحور جاري يا عيد اخينا، وتو جريدك ورق يا نخيلة العيد، 18 بلد غرق من دمع عيني

على شط البحور جاري يا عيد اخينا، وتو جريدك ورق يا نخيلة العيد، 18 بلد غرق من دمع عيني
وعند الاحتفال بطهور ابنها عمر، كانت قد غنت له:

واجت من مقطع الباحة شوف الركايب
وعليها صقور لواحة شوف العوامرة
ويا عقلي ويا روحي عمير وعمر
وكل القلب مجروح كله بهواهم
ويضل القلب مجروح كله بهواهم


1."يعني اجت الإبل بغير موعد وباعداد كبيرة"
2. "كيف الوز رقبتها عالية؟ هالجمل زيها"


الفرح

تمتد طقوس أفراح قبيلة بني عامر في فلسطين مدة 4 - 7 أيام لأهل العريس، ويوم واحد لأهل العروس. ومن الجدير بالذكر أن العريس لا يكون قد رأى من عروسه سوى عيناها قبل ليلة الزواج، حيث يأخذ العريس عروسه من بيت أهلها على ظهر الجمل، وهكذا أيضا زفت عيدة " يوم عرسى جابوني عالجمل من شرق العريش، الى البواطي، معي 3 جمال".

ومن المعروف أن الزواج يجب أن يحدث بين أبناء نفس القبيلة، ويمكن في بعض الحالات التزويج من قبيلة أخرى في حال كانت القبيلتين على وفاق. وتقول عيدة انها شهدت الكثير من قصص الحب التي لم تكتمل بسبب هذه العادات، وأن من سمات رجال قبيلتها انه إذا أحب امرأة من قبيلة أخرى ولم تتوافق القبيلتين على الزواج، فانه غالبا لا يتزوج غيرها طيلة حياته. وفى يوم الفرح يشارك جميع أبناء القبيلة، كما بالأعياد، بتجهيز الطعام والقهوة وتقديمه للضيوف، وأيضا تنتشر سباقات الخيل والإبل خلال ساعات النهار، أما ليلا فتسود أجواء الطرب والفنون المختلفة من بدع وهجين ومربوعة. أما قبل هذا اليوم، فيكون العريس وأقاربه واصدقاؤه قد أتمو ثلاث ليال من السامر (الدحية).

ومن المتعارف عليه أيضا لدى قبيلة بني عامر (الملالحة) أن صباح اليوم التالي لليلة الزفاف، والبعض ينتظر لليوم السابع، تقوم العروس بأخذ إبريق من الماء من بيت زوجها وتذهب به لبيت أهلها، ويجب على أهلها الشرب من هذا الإبريق، ويقومون بالذبح والاحتفال أيضا بابنتهم حتى تعود لزوجها بعد أسبوع آخر. وقالت عيدة موضحة: " احنا عاداتنا بتروح البيت من تاني يوم عشان ما يقولوا لزقت بالعريس، وبتاخد معها من بيت العريس ابريق مي فخار)، وبشربوا من هاي المي، عشان ما يدخل الشيطان بينها وبين جوزها، ورينا يعطيها عيال وأمان"

أربعة أيوب

جرت عادة الاغتسال بالبحر يوم الأربعاء السابق لعيد الفطر بين معتنقي المسيحية في الوطن العربي، لكن لدى البعض، خاصة قبيلة بني عامر، فان هذه ارتبطت بموروثهم الشعبي لا الديني. حيث تقول عيدة أنه جرت عادات جميع افراد قبيلتها الذهاب للبحر بهذا اليوم للغطس، 7 مرات متتالية، عند رؤية الشمس وهي تغرب، للاعتقاد المتداول بان هذه العادة مباركة وتزيح أغلب هموم الناس حيث " تشفي المريض، تجوز العانس، تحل البركة." وتقول عيدة أيضا ان الفتيات الغير متزوجات، أو المتزوجات اللواتي لم يرزقن بمولود بعد، اعتدن الذهاب لترديد "يا بحر انا جيتك زايرة، ما تروحني لاهلي بايرة"

العزاء

تقول عيدة، واصفة لتضامن أبناء القبيلة مع بعضهم عند موت أحد افرادها: "لو واحد توفى والفرح ضايلو يومين بس، ومبني بيت الفرح صاحب الفرح يقوم يهده، يخلى البيت نايم عالأرض ونقعد بالديوان، يفوت شهور والبيت مرمي لحد ما صاحب الميت يروح يبنيلو (يعمره) البيت ويقول الله يجعلها مباركة ويجيب قوده ويقعد عند صاحبه ويعملوا الفرح"

القضاء

من عادات قبيلة بني عامر، التي لا تزال سائدة حتى وقتنا الحالي، انهم لا يلجؤون للقانون أو القضاء للحل بينهم عند الخلاف. بل من المتعارف عليه أن لكل قبيلة مختار، لا يقدر أحد على معارضته أو مخالفة قراراتها، فتقول عيدة: " بنحل المشاكل عند المخاتير، ولادكم خدوا حلالنا (أي الإبل) او ضربوا ولدنا، بكون بالديوان وما حد يغالطه، ان أحد غالطه يطلعه عن العيلة كلها، يؤمر ما حد يتعرضه، ما يتخالط بالعرب ويسافر، يجليه عن طنياته (أي أبناؤه) وعن غنمه وعن حرمته وحاله ويعاود بعد 5 سنين مثلا، هيك يتم تذنبيهم وهيك الحكم" ولتقليل الخلافات بين أبناء القبيلة، فان لهم نظام وقوانين خاصة بحياتهم وقل من يخالفها، بما يخص الإبل والري مثلا، فان لكل عائلة وسم (علامة)، يتم تمييز الإبل بها عند فطامهم، لتعرف ان هذه الإبل تمتلكها أي عائلة.

الطعام

تقول عيدة أنه من أهم عادات قبيلة بني عامر المتعلقة بالطعام هي طرق تخزينه، حيث أنها تضمن بقاء القبيلة أثناء الترحال أو عند مواجهتهم لظروف الحياة القاسية. ومن الأمثلة على ذلك:

تخزين اللحوم:

عندما تريد عيدة تخزين اللحوم، فإنها تقوم باختيار إحدى الإبل السمينة، لكثرة الدهون فيها، ومن ثم طهيها بهذه الدهون على النار، ومن ثم إضافة الملح ووضعها داخل الفخار. وغالبا ما يقومون بعمل حفرة بالأرض لتخزين هذا الفخار داخلها. وأضافت عيدة أنها وأبناءها يفضلون إعداد اللحم المقدد، حيث يتم ربط اللحوم بحبل وفردها تحت اشعة الشمس، وتغطيتها ليلا، لمدة أسبوع. وتقوم بتخزين السمك أيضا، فتعد (الفسيخ)، وهو سمك مملح تجري عادات الفلسطينيين أكله أول أيام عيد الفطر المبارك.

تخزين الحبوب:
يا حصاد عويد عويد
نقي القمح من السويد
يا حساد اغرب سيرك
وام دنيدش ما هي لك
وام دنيدش لغيرك

في موسم الحصاد، تقوم عيدة بإشعال النار بحطب العجرم، حتى يصبح رماد (العجرم هو نوع من النباتات يستخدم للتنظيف وتخزين الحبوب) فتقول: "نأخذ الرماد نحطوا عالقمح او الشعير، نحفر جورة بالأرض وبنجيب حطب عاذر (نوع شجر) وبنرصو مترين تلاتة بالارض ولنحط عليه السكن وبندفنو، وبنعمل قبة وبنرش عليها تبن، عشان لما يجيها المطر ما تحت وبنخليها مخزونة، والعجرم عشان ما يسوس، بنفع للجلي وبنفع للسوس لانها مادة مالحة". ويطلق على هذا المخزن اسم (جهير)، أي مخزن للحبوب. ومن الأكلات الشعبية الأخرى التي تعدها عيدة ويشتهر بها بني عامر: الجريشة والبزينة والكبيبات والمفتول والعتيق (الكشك).

محتوى المدونة من مسؤولية جمعية الروزنا وملتقى شباب بلا حدود -غزة ولا يعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد الاوروبي