حارسات التراث

فنتينا شولي

طبخَت طنجرة المجدرة وتركَتْها ونامت وقت العصر، صحيت لقيتها مأكولة وباقي صحن، واليوم الثاني الطنجرة خلصت، رغم انه ولا حدا في الدار" تروي فريزة البرغوثي قصة من قصص كثيرة رواها ويرويها الناس في حوش الشيطان في قرية دير غسانة شمال غرب رام الله.
تقول فريزة إن أكثر من 200 شخص عاشوا في هذا الحوش الذي سمي هكذا لأن الناس تعتقد أن الشياطين تعيش معهم، وتمارس حياتها في ظل حياتهم، بحيث أصبحوا معتادين على الأمور الغريبة، كأن يوقظ شيء ما سيدة على مدار أكثر من يوم، من أجل أن تذهب لملء الماء من النبع قبل أن تسبقها بقية النساء، وحين تصل تدرك أنها خرجت في منتصف الليل، فتعود وتقول "أيقظوني باكراً" وتعني الشياطين.
ومن القصص أيضاً أن سيدة استيقظت ليلاً على أصوات عرسٍ على سطح المنزل المجاور، وعندما نظرت من النافذة رأت حفل زفاف ونساء يرتدين خرقاً بيضاء ويحملن دفوفاً ويطبلن ويغنين، ولكنها لم تجد أحداً حين فتحت النافذة، فأيقظت زوجها، لكنه قال لها نامي ولا تخبري أحدا، هذه شياطين.

"النوم على العتبة ممنوع"

بالنسبة لفريزة فالشياطين فعلاً كانت تعيش في حوش الشيطان، وهذا الأمر ليس مخيفاً، فلم يحدث أن تسببت هذه الشياطين بأذىً للسكان، ولكنها أوضحت أنها لم تر أو تسمع أصواتاً في حياتها، إلا أن أقرب الناس لها مثل زوجها وأختها وأمها كانت لهم تجارب شخصية.
فزوجها عبد الرحمن نام مرة على عتبة المنزل حين كان طفلاً، ليستيقظ على شخص يلكزه بإصبعه ويقول له "يا عبد الرحمن، ما تنام على العتبة، مش منيحة النومة هون"، وأثناء رواية القصة تضحك فريزة من قلبها وهي تقول، يبدو أن الشيطان سافر مع عبد الرحمن للكويت، فحين كان هناك نام على العتبة لأن الغرفة تخلو من المكيفات والأجواء حارة لا تطاق، وجاء ذات الشخص وأيقظه وقال له: "مش قلتلك ما تنام على العتبة يا عبد الرحمن، النومة مش منيحة هون"، وهذا الحوار القصير دار في غرفة كان فيها زوجها مع رفاقه الذين لم يروا إلا عبد الرحمن يتحدث مع "لا أحد"، وتقول فريزة إنه لم ينم أبداً على عتبة طوال حياته.
أما أختها فكانت مرة تخبز في طابون المنزل، حين مرت سيدة ترتدي عباءة سوداء وتشبه إحدى ساكنات الحوش من أمام الطابون، وحين تبعتها ونادتها أكثر من مرة، لم تجب واختفت عند آخر السلم المؤدي للمنزل.
وآخر سمع صوت سيدة تسير بالقبقاب في بيت لا يسكنه أحد، ومن ثم سمع صوت إعداد العجين ورقّه، فطرق الباب عدة مرات، لكن أحداً لم يجب، رغم استمرار الصوت، فقرر سؤال الجيران الذي قالوا له، إذهب من هنا فوراً، لا أحد في المنزل، لكنها الشياطين.

الشياطين لا تؤذي أحداً إلا إذا اضطرت لذلك

رغم أن البرغوثي أكدت أنه لم يحدث أي أذى في الحوش، إلا أن لكل قاعدة شواذ، ففي إحدى المرات كما روت لنا فريزة، أطلق رجل يقال له أبو القنودي النار على شخص ظنه لصاً رآه قرب النبع أثناء الليل، ولكنه أصاب شيطاناً، وحينها جاء أصدقاء القتيل وبدأوا يغنون:
ليش يا ابو قنودي
تا تضربنا بالبارودة
واحنا سربة قرودة
نشربك شربة مي
وأعادت فريزة المقطع مرتين، وتابعت أن أبو قنودي هزل وجلس في فراشه ولم يلبث طويلاً حتى مات.
أما الموقف الثاني فتستذكر فريزة اسم بطله، وتخبرنا عن يوسف الحسن الذي كان صياداً لطائر الشنار وراعياً للبقر، الذي قرر في أحد الأيام اصطياد مجموعة طيور قرب مرعاه، ولكن شيطاناً "رحمانيا"- وصف يطلقه أهل الحوش على الشياطين التي لم تكن تؤذي الناس- جاءه في الليل وحذره من إيذاء هذه الطيور لأنها للجان، وقد يؤذونه، وبأسف تقول فريزة: "ما رد عليهم، ورجعوا حذروه مرتين، وبعدين حرموه النسل، إله بس بنت قبل هذه الحادثة، وما خلف غيرها، رغم انه تزوج 3 مرات".

الملائكة تمنع صالحة من زيارة الحوش

أما الست صالحة، فهذه لها قصة مختلفة روتها لنا فريزة بصوت جهوري أثناء شربها القهوة، وابتسامة لم تفارقها، فصالحة من أولياء الله بحسب وصف أهل القرية ولها بيت موجود حتى الآن على الجبل، وتزوره الناس للتبرك به والتقرب بذبح الحيوانات والصلاة، وحين كانت تذهب لزيارة أسرتها التي تعيش في الحوش، كانت الملائكة تأتي وتشدها وتقول لها: "هذه جهنم لا تدخلي"، وترى صالحة النار مشتعلة في الحوش، فتعود أدراجها ولا تزور أحداً هناك.
رغم كل القصص التي تبدو مخيفة، وغير حقيقية في بعض الأحيان بالنسبة للبعض، إلا أن فريزة تقول إنها تحن بشكل كبير لمنزل عائلتها المشرف في حوش الشيطان، فلم تكن شاردة ولا واردة تخفى على ساكني ذلك البيت، بسبب إطلالته وارتفاعه، وفي كل مرة تمر بجانب البلدة القديمة، يمر شريط ذكريات طفولتها في منزل الأسرة أمام عينيها.

حوش الشيطان تغير كثيرا مع الزمن

حوش الشيطان الذي روت فريزة عنه معظم قصص الشياطين، أثار فضولاً كبيراً لدينا لزيارته ورهبةً من الالتقاء بشيطان من أبطال القصص فيه، ولكن حين وصلنا البلدة القديمة التي تضم أحواشاً أخرى أيضاً، لاحظنا الهدوء الكبير الذي يعم المنطقة، فحتى تصل للحوش عليك أن تدخل من باب البلدة القديمة الصغير، لترى شجرة في منتصف الساحة، ومدرسة على اليمين، وباب الحوش على اليسار، وقبل أن ندخل ترددنا، فماذا لو مرّ علينا أحدهم واختفى، ولكن في النهاية تغلّب الفضول على الخوف، وكان الحوش صغيراً جداً وفيه ممر يودي بك إلى كافة البيوت التي كانت يوماً ما مأهولة وتضج بالحياة، وأصبحت مؤخراً خالية من البشر ومن قصص الشياطين.

محتوى المدونة من مسؤولية جمعية الروزنا ولا يعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد الاوروبي