رائد سعادة \رئيس مجلس إدارة جمعية الروزنا

"رحّب بنا أبو سامر بحفاوة وأعدت لنا عائلته طعاماً مميّزاً من دجاج القرية يُدعى "المسخّن". لقد تحدثنا بأشياء كثيرة وروينا لبعضنا البعض قصصاً عن الحياة والإنسانية. ضحكنا كثيراً ومن ثم ذهبنا معاً لزيارة جمعية المرأة في القرية. لقد قمن بالتوضيح والشرح لنا عمّا يقمن به في القرية وعرضنا لنا بعضاً من أعمالهن اليدوية. لقد كانت مديرة الجمعية، إنصاف، رائعة وذات شخصية مطلعة ودراية ومعرفة. أخذتنا بجولة ونزهة قصيرة عبر المنطقة التاريخية للقرية وحيث زرنا معصرة زيت الزيتون القديمة وكذلك مطحنة القمح. وروت لنا بعضاً من قصص طفولتها ومنها أنها عندما رافقت والدها لجلب محصول الزيتون إلى المعصرة من أجل عصر الزيت ووصفت لنا مدى ابتهاج ومتعة القرويون بحصادهم وهم مجتمعون معاً في معصرة الزيت...."

هذه عبارة عن مقتطف من رسالة تلقيناها من أحد ضيوفنا بعد أن زار قرية قريبة من بيرزيت. إن لهجة الرسالة الممتعة والمثيرة والتي كانت ولا تزال تظهر وتبيّن نوع من التبادل التفاعلي الذي يمكن أن تأتي به وتُنشئه السياحة التجريبية. وهذا يؤدي إلى طرح الأسئلة، هل يوجد في فلسطين سياحة تجريبية، ما هي قيمتها المضافة، وكيف ترتبط بالسياحة البديلة وجهود القطاعين الخاص والعام؟
لطالما أربك مصطلح "بديلة" الأشخاص الذين يعملون في قطاع السياحة. ولكن إلى حد كبير، يسعى ويبحث الكثيرون عن نوع مختلف من التجربة والخبرة عن سياحة الحج السائدة والقائمة حالياً في فلسطين. اليوم، هنالك مبادرة فلسطينية تجمع بين عدد من منظمات المجتمع المدني المتخصصة التي تمثل مجتمعة أساساً للسياحة التجريبية في فلسطين، وتُدعى هذه المبادرة: نيبتو "NEPTO".

كلمة نيبتو "NEPTO" هي اختصار لــِ شبكة منظمات السياحة الفلسطينية الرديفة". وينصب الاهتمام والتركيز هنا على السياحة التجريبية وليس على السياحة البديلة. إن السياحة البديلة بالنسبة لشبكة نيبتو وفق ما قرره جميع أعضائها لا تصف الكينونة أو أنشطتها. إن "السياحة التجريبية" تنطبق على جميع أنواع السياحة بما في ذلك سياحة الحج، والفرق فيما بينهما أن السياحة التجريبية تتخذ نهجاً مبنياً على المجتمع وتوظف أساليب وطرق تفسيرية في التصميم والتخطيط والتنفيذ. في الوقت الراهن، من الصعب جداً أن تجد أية مبادرات من القطاع الخاص في فلسطين والتي تستخدم المفاهيم أعلاه. توحّد شبكة نيبتو "NEPTO" جهود 14 منظمة مجتمع مدني، كما ويحقق وينتج عن مجالات اهتماها ومعرفتها وخبرتها تمثيلاً رائعاً ومثيراً للاهتمام للسياحة التجريبية في فلسطين. وتشارك بعضاً من المنظمات في تصميم عدداً من الرحلات والمسارات المحورية في جميع أرجاء فلسطين مثل مسار المهد، مسار فلسطين التراثي والمسارات الصوفية. وبعضاً من هذه المنظمات مشترك في تعزيز والنهوض باللقاءات والاستكشافات المجتمعية مثل عدد من الرحلات ليوم واحد إلى الخليل وبيت لحم. وآخرون مشتركون في تنظيم مهرجانات ريفية، ثقافية، تراثية وزراعية. كما ويوجد أيضاً عدداً من المنظمات التي تعزز التجارة العادلة وحماية البيئة والحياة البرية، وإعادة تأهيل والحفاظ على الموروث العمراني ولا سيما في الريف الفلسطيني. وهنالك الكثير من البرامج التي توظف أدلّاء ومرشدين محليين وتضم إقامات منزلية في مسارات رحلاتهم.

يجب أن يكون تطوير السياحة الفلسطينية نتاج جهود جماعية وشمولية وأفقية بحيث يكون لدى كافة المنظمات السياحية وأصحاب الشأن بما في ذلك القطاع الخاص دوراً يلعبونه ويؤدون، وأن تكون النتيجة المستحقة بجهد ذا شقين. الأول، هو منظمات ومؤسسات القطاع الخاص مثل جمعية الفنادق العربية وجمعية الأراضي المقدسة لمنظمي الرحلات السياحية الوافدين (HLITORA). كما وتعتبر القوانين والأنظمة والحوافز الحكومية على أنها أيضاً حيوية في ترويج وتعزيز الاستثمارات التجارية. الثاني، هو الجهود والممارسات المبنية على المجتمع. إن السياحة التجريبية لا تربط فقط المجتمع بدوافعه وقواه الاقتصادية المحتملة في السياحة بل تعزز وتدعم القطاع ككل عن طريق استقصاء والبحث عن أنواع مختلفة من الأنشطة السياحية مثل السياحة البيئية الأيكولوجية، الثقافية، التاريخية والسياحة التضامنية. وتتسم كل من مبادرات القطاع الخاص وجهود السياحة التجريبية بالأهمية. وهذا الأمر لا يُلغي دور القطاع العام. في الواقع، يبقى الدعم الذي ترغب بتقديمه الحكومة لقطاع السياحة العامل الرئيسي في تعزيز كل من الاستثمارات ذات الصلة والمنتجات التجريبية.

تاريخياً، كان القطاع الخاص الفلسطيني ساكناً، يفتقر لجهود البحث والتطوير ويبتعد عن أية أزمات محتملة. من ناحية أخرى، ترتبط وتتصل السياحة التجريبية بالمجتمع المحلي وتساعد على إيجاد وتهيئة بيئة تمكينية ورحبة ومعنية بحيث أنها متمكنة وراغبة وعلى استعداد للنهوض بقطاع السياحة بأكمله، وبالتالي تضمن وتؤمن استدامتها. لقد استثمرت منظمات السياحة التجريبية بشكل كبير في البحث والتطوير، ساعية وراء وباحثة عن هوية محددة لمنتج السياحة الفلسطينية. هذا التميّز أو التمايز هو ما تحتاجه فلسطين من أجل أن تتنافس مع العروض الإقليمية الأخرى وبغية توسيع نطاق السوق الذي تجتذبه. ثمة هناك حاجة لوجود شراكة عامة وخاصة ومجتمع مدني للنهوض والدفع قدماً بالجهود الجماعية والفرص من أجل خلق سياحة ديناميكية واستباقية نشطة في فلسطين. لقد أقرت ودعمت وزارة السياحة والآثار الفلسطينية الدور والقيمة المضافة الناتجة عن الجهود التجريبية كما واعترفت وأقرت بالدور التمثيلي الذي تلعبه شبكة نيبتو "NEPTO" في هذا المضمار.

تشكل السياحة التجريبية ظاهرة عالمية، نجحت فلسطين من خلالها، بوسم علامة مميزة لمنتجاتها المتخصصة حيث تعتبر فرصة عظيمة لوسم علامة مميزة للمبادرات الفلسطينية بشكل غير مباشر. ويعتبر التشبيك والشراكات على أنه استراتيجية فعالة وطريقة مثالية لترويج المنتجات المتخصصة مثل السياحة التجريبية. يمكن للمساعي المحلية أن تجد مكان لها في المواقع العالمية عن طريق المرور من خلال أو داخل يندمج مواقع ومراجع مشاريع دولية. إن هذا عبارة عن نهج من الأسفل للأعلى في وسم علامة مميزة لفلسطين. وسيكون مخطط الوسم من أعلى لأسفل من أجل ترويج فلسطين كوجهة إلى جانب كافة منتجاتها وأنشطتها المحتملة. إن كلا النهجين من أعلى-لأسفل ومن أسفل-لأعلى هما مبادرات تكميلية لوسم علامة مميزة. تحتاج فلسطين لكل القنوات والوسائل لتحسين صورتها كوجهة سياحية آمنة ومشوقة.

ينبغي أن ينتفع من السياحة التجريبية ويستفيد منها المجتمعات وأن تساعد على حماية التراث الطبيعي والثقافي للسكان المحليين. وبدون وجود نهج مدروس وذا فكر لتطوير أنشطة سياحية، فمن الممكن أن تضر السياحة المناطق الطبيعية وتخلق وتثير مشاكل للمجتمعات المحلية القريبة. كما وينبغي أن يبدأ تطوير السياحة التجريبية بنية وهدف مساعدة المجتمع المحلي. وبناء على ذلك، يجب أن يتم إشراك السكان المحليين في التخطيط وتقديم وإيصال الخبرات حتى لو كانت الحكومة أو شركاء منظمات أهلية غير حكومية هم من يقدمون الدعم للبرنامج. وتشجّع السياحة التجريبية على توظيف أدلاء ومرشدين من المجتمع المحلي وتساعد على تدريبهم. يفهم السكان المحليين وبإمكانهم أن يوصلوا بشكل أفضل الإحساس بالمنطقة للزوار. يمكن أن تكون الأنشطة في تجربة مبنية على المجتمع أبسط ما يكون عن طريق إشراك واجتذاب الزوار للطعام المحلي، المناظر الطبيعية الجميلة، وأنشطة زراعية يومية وسرد الحكايات والقصص.

إن استخدام النهج التفسيري للتواصل مع الزوار يعمّق قيمة السياحة التجريبية. وبالرغم من كون التفسير يضم معلومات، إلا أنه يتطلب أكثر من مجرد إعطاء تفاصيل أو حقائق حول المنطقة الجغرافية أو الثقافة المحلية. وعند اتخاذ واتباع نهجاً تفسيرياً، تصبح تجربة السائح أكثر متعة وإرضاء، تشجّع الناس على العودة وإخبار الآخرين باكتشافاتهم. فمن المرجّح أن يجلبوا آخرين في زياراتهم المستقبلية. وكلما ازدادت ونمت معرفتهم بالمجتمع فمن المرجح أن يبحثوا عن طرق إيجابية للمشاركة والانخراط في المجتمع مثل المساعدة في بناء مستشفى أو مدرسة ضرورية مطلوبة، أو حتى المساعدة في الحفاظ على مواقع ثقافية أو مناطق طبيعية هامة. إن استخدام نهجاً تفسيرياً يربط الزوار بالمكان وبالسكان المحليين ويؤسس ويقيم علاقات دائمة يمكن أن تساعد على تحقيق نتائج مفيدة يحتاجها المجتمع وتجنب لأية نتائج سلبية قد تحدث.
تعتبر الأشغال اليدوية، الملابس التقليدية، المنتجات المحلية، الطعام المحلي، وغيرها من المواد الأخرى المشابهة على أنها ذات أهمية كبيرة للسياح التجريبيين. فإذا ما أقام السياح ارتباط وعلاقة ثقافية قوية مع المجتمع، فإن هذه المواد أيضاً تصنع الهدايا التذكارية المثالية، وهي طريقة لحمل قطعة صغيرة من التجربة إلى المنزل.
لطالما كان التفسير جزءاً من حياة المجتمع. فعندما يُساعد أحد كبار السن شاباً على فهم تقاليد المجتمع، فإنه/فإنها يفسر/تفسر الثقافة. وعندما يتم مشاركة وتبادل أغاني، رقصات، أو حكايات وقصص، فهذا أيضاً يُعدُّ تفسير. إنها تساعد أفراد المجتمع على التواصل مع والارتباط بالماضي وفهم ثقافتهم الخاصة. هذا هو المكان الذي يبدأ فيه أساس وجوهر التبادل بين الثقافات. يأتي السياح من خلفيات مختلفة جداً. وتحتاج المجتمعات المحلية لأن تفهم زوارها من أجل أن تساعدهم على تقدير موارد المجتمع المحلي.
في عام 1957، فريمان تيلدن، وهو كاتب مسرحي أمريكي، كتب كتاباً بعنوان تفسير تراثنا. وكتب فيه "من عبر التفسير يأتي الفهم؛ عبر الفهم يأتي التقدير؛ عبر التقدير تأتي الحماية." التواصل التفسيري يساعد الناس على فهم وتقدير مواردهم حتى يصبحوا مصدر إلهام لحمايتها.