محمود جودة - 28\12\2022

الرحابة التي تستقبلك فيها مدينة خانيونس مختلفة عن باقي المدن، هذه المدينة العتيقة التي بناها المماليك على أنقاض مدينة قديمة كانت تعرف باسم (جنيس) كما ذكر هيرودتس أنها تقع جنوبي مدينة غزة في القرن الخامس قبل الميلاد، وهذه الرحابة مأخوذة عن اسمها الذي يتكون من كلمتين: الأولى "خان" بمعنى فندق والثانية "يونس" نسبة إلى الأمير يونس النوروزي الداودار.
في القرن الرابع عشر أسس المماليك المدينة، وازدهرت حتى احتاج ذاك الازدهار إلى مكان يقوم على خدمة التجار الذين يتنقلون ببضاعتهم ما بين مصر ودمشق وفلسطين، فكان ميلاد الخان ضروريًا حيث تبتعد قلعة برقوق عن الحدود بين مصر وفلسطين 20 كيلومتراً، وتربط بين القاهرة ودمشق وقطاع غزة وكان هذا هو الهدف من إنشائها، أن تكون حماية للمدينة ومنطقة لقاء آمنة بين التجار والمسافرين الذين يقصدون أكبر عاصمتين في دولة المماليك قديماً، فضلا عن استخدامها ملجأ لهم من الجماعات التي كانت تقصد طرق التجار لسرقتهم لأنها كانت منتشرة خلال هذه الحقبة الزمنية.


وهكذا أصبح لمدينة خانيونس قلعة تسمى قلعة برقوق وبعد تشييد القلعة أقبل الناس ناحيتها فشيدوا المنازل والدكاكين وقرروا الاستقرار للقيام على خدمة التجار والزائرين والجنود، ومن هنا تكون الحي ومن ثم المدينة إلى أن وصلت إلى حالها الآن بعدد سكان قارب على ربع مليون نسمة.
الزائر لمدينة خانيونس لابد له أن يمر بقلعتها القابعة في وسط المدينة، بساحتها الواسعة أمامها التي كانت فيما سبق منتزه يؤمه أهل المدينة في أيام عطلها واحتفالاتهم السنوية، يأخذ الخان شكلًا مربعًا ويمتد على مساحة 16 دونمًا لم يتبقى منها إلى الواجهة الغربية حيث يبلغ طول ضلعه حوالي 72 مترًا، أما عرض الأنقاض المتبقية منه عند المدخل فيبلغ حوالي 11,50 مترا، وهو محصن من أركانه الأربعة بتحصينات دفاعية عبارة عن أبراج دائرية وهو مبني بالحجر الرملي والرخام كما يحتوي على تفاصيل معمارية أخرى غاية في الدقة وفن العمارة المملوكي كالشرفات المسننة والأقواس كما وتوجد في كل زاوية نقطة بناء أساسية على شكل أبراج دائرية ضخمة بنيت من الحجر تهدف لحماية القلعة من اللصوص والمعتدين، وتتكون القلعة من طابقين، الطابق الأول يضم مجموعة من المخازن التي تستخدم لحفظ البضائع، ومجموعة أخرى من الإسطبلات المخصصة لمبيت الدواب، أما الطابق الثاني فإنه يحتوي على غرف متعددة تستخدم لراحة ساكني القلعة، بالإضافة إلى مسجد يقع على يسار البوابة الرئيسية لها، ويتكون من طابقين أيضا يصل بينهما درج خشبي قديم، يضم الطابق الأول بيت الصلاة الذي يتوسطه منبر من الرخام، مزود ببعض النقوش القديمة التي تعود لعصر المماليك، وأمام بيت الصلاة توجد قبة صغيرة من الزجاج الملون.

حنين الى الماضي المتداخل مع برقوق

كان لابد لي من زيارة جميلة ومثمرة لهذا الصرح التاريخي العريق وتأمل سور القلعة العريق وخلال التجول عند السور جمعني لقاء وحديث قَيّم مع الحاج السبعيني الملقب "أبو ماهر"

حيث كان يجلس على كرسيه امام السور يرتشف من كأس الشاي الذي يحمله وبعد ان ألقيت التحية ووافق بأن نتبادل اطراف الحديث عن القلعة ، وحين سألته عن سبب جلوسه في المكان قال:
" آتي كل يوم للجلوس امام هذا السور اتأمله واستشعر بحنيني لبلدتي قرية حمامة التي هجرنا منها قسرا وتركنا هناك احلامنا وارضنا ومنازلنا ، فإن هذا السور وشكل الحجارة القديمة يذكرني بأيامنا القديمة وبشكل منازلنا التي ارغمنا على تركها ".
وأضاف القول" هالمكان بيجمعنا كلنا انا والجيران كل يوم المسا بنجتمع وبنعرف اخبار بعض حتى البياعين اللي بيبعوا قدام السور صار بينا صحبة، ويا سلام على كاسة شاي عالنار بالشتا مع اللمة قدام هالسور الجميل".
وعندما سألته:"هل ترى ان هناك حماية لهذا السور التاريخي برأيك كونك تقطن بجانب السور؟"
أكد لي بقوله:" اجل وانه رغم ما حصل في القلعة من تدمير وسرقة وعمليات إتلاف إلا أنها تحتفظ بشكلها النهائي الذي أرى كل فترة انه يعاد ترميمه من الجهات المختصة لضمان الحفاظ عليه وعدم تعرضها لأي اعتداءات أخرى وهذا شيئ يبعث السعادة والشعور بالأمان تجاه ذلك.
وأكثر ما اثار اعجابي خلال لقائي مع العم أبو ماهر هو انه ممتلئ بالمعلومات التاريخية عن قلعة برقوق ومعالمها وتاريخ العصور والحروب التي خاضتها وكان مملؤ بالشغف وهو يحثني حتى انه اخذني على الجهة الغربية الداخلية للسور وبدأ يعرفني عن تفاصيل ذلك شارحاً:" هنا بتشوفي لوحات فنية من الرخام وحواليها اسدين ولو تركزي هتشوفي كلمات فرمان السلطان المملوكي برقوق بيأمر فيها بناء القلعة والنص هو (أرسل حامل أختامه الأمير يونس النوروزي الداودار لبناء قلعة". (789 هـ الموافق 1387م)