لجنة إعمار الخليل

ترتبط السياحة ارتباطا مباشرا بالتراث الثقافي، والذي يعتبر من أهم مقوماتها، حيث أن عناصر التراث الثقافي وما تتمتع به من قيم قد تكون تاريخية أو معمارية أو فنية أو رمزية هي بحد ذاتها عناصر جذب سياحي، وفي حال تم استغلال موارد التراث الثقافي واستثمارها بما يتوافق مع متطلبات التنمية السياحية من الممكن أن تصبح السياحة الثقافية أداة فاعلة للتنمية الاقتصادية. وفي هذا الاطار بدأت لجنة إعمار الخليل بالتفكير بالتراث المعماري كمورد أساسي لتنشيط الحركة السياحية وباشرت العمل على إعداد خطة متكاملة لاستثمار المعالم والصروح التاريخية التي تتمتع بها البلدة القديمة. و تزخر البلدة القديمة في الخليل بموروث ثقافي عريق، حيث نسجت بطريقة فريدة لتشكل مجموعة كنوز تراثية تتمثل في أحواشها و أسواقها وأزقتها وقناطرها ومساجدها وزواياها ومقاماتها وتكاياها وخاناتها ، ويتربع على عرشها الحرم الإبراهيمي الشريف شاهداً على مكانتها الدينية والتاريخية والحضارية.

جانب من المحال التجارية المرممة في سوق القصبة

تتمحور خطة التنمية السياحية التي أعدتها لجنة إعمار الخليل حول تأهيل المباني التراثية كمحطات سياحية، وذلك ضمن مسار رئيس ينطلق من مدخل البلدة القديمة وصولا إلى حرمها الإبراهيمي، حيث تم ترميم وتأهيل المعالم التاريخية المميزة وفي مقدمتها الحرم الإبراهيمي الشريف، الذي حرصت لجنة إعمار الخليل على ترميمه منذ قرابة خمسة وعشرون عاماً وما زالت تقوم على صيانته ورعايته حتى يومنا هذا، ومن ثم ترميم واعادة تأهيل المساجد والزوايا والمقامات والتكايا ومعاصر الزيتون ومعاصر السمسم الحمامات التقليدية ، لتتكامل مع ترميم كافة المباني ضمن النسيج العمراني التقليدي للبلدة القديمة التي تمثل بحد ذاتها إرثاً حضارياً وثقافياً ومنبع إعجابٍ للزائرين. وفي نفس الوقت أولت الخطة اهتماما خاصا لتأهيل البنية التحتية لحارات وطرقات البلدة القديمة وأزقتها، وإيجاد الحدائق العامة وأماكن الاستراحة للزائرين. إضافة إلى تأهيل أسواق البلدة القديمة وترميم المحلات التجارية وتزويدها بالخدمات اللازمة استعدادا لاستقبال الزائرين والمتسوقين.

وحتى تكتمل الصورة التراثية للسائح، لم تقتصر الخطة التنموية السياحية على الحفاظ على التراث المادي وتأهيله، بل ركزت على الجانب اللامادي من هذا التراث والذي لا يقل أهمية عن التراث المادي الملموس ، بل يكمل كل منهاما الآخر في حال تم العمل على تحقيق الاندماج بين هذين الجانبين من التراث. وفي هذا المضمار حرصت لجنة إعمار الخليل من خلال خطتها التنموية على استدامة الحرف التقليدية ومنع اندثارها من خلال الحفاظ عليها وإعادة صناعة الزجاج والفخار في البلدة القديمة، حيث تم تشغيل مصنع زجاج تقليدي ومشاغل اخرى للفخار والسيراميك، اضافة الى دعم الحرف التقليدية الأخرى كالمطرزات ودباغة الجلود و النسيج والصناعة الغذائية من خلال توفير محال ومعارض تجارية لأصحابها حتى يتمكنوا من عرض منتوجاتهم وتسوقيها.اضافة الى اقامة المهرجانات الموسمية والتي تتخللها العديد من الانشطة والفعاليات الهادفة لإبراز التراث الثقافي واستقطاب السائحين والزائرين.


من جهة أخرى عملت لجنة اعمار الخليل على توفير الخدمات والمرافق الخدماتية السياحية اللازمة من خلال توفير الفنادق ومواقف السيارات والوحدات الصحية العامة ومركز الزوار ومراكز الاستعلامات واللوحات الإرشادية وتوفير الخرائط السياحية.
تؤمن لجنة إعمار الخليل بأهمية اشراك المجتمعات المحلية بالتنمية السياحية وبالدور الفاعل الذي يلعبه المجتمع المحلي في تحقيق تنمية مستدامة، حيث يشكل المجتمع المحلي عنصرا داعما للسياحة وتزداد فرص عملهم وتتحسن ظروفهم المعيشية مما ينعكس ايجابيا على الأوضاع الاقتصادية للبلدة. لذلك تحرص لجنة إعمار الخليل على توفير برامج توعوية وتثقيفية للمجتمع المحلي من أصحاب محلات تجارية وباعة متجولين، من أجل رفع مستوى وعيهم وثقافتهم وكيفية التعامل مع السائحين وكذلك تنظيم برامج تدريبية للأدلاء السياحيين. إن مساعي لجنة إعمار الخليل الرامية لتفعيل دور المجتمع المحلي وتعزيز مشاركتهم في التنمية السياحية والاقتصادية كان له اثرا واضحا، عمل على تشجيع السكان للتفكير في مشاريع سياحية مستخدمين ما يملكونه من كنوز تراثية، حيث استخدم السكان أجزاء من بيوتهم كنزل سياحية أو أماكن ضيافة واستراحة للزوار، كما عملت العديد من ربات البيوت على تسويق منتوجاتهم التراثية من المطرزات والصناعات الغذائية وغيرها من المنتوجات التي يتمكن تسويقها للسائحين، مما ساعد على توفير فرص عمل تدعم دخل الأسر القاطنة في البلدة القديمة. ومن جهة أخرى فقد شجعت مشاريع تأهيل الاسواق وترميم المحال التجارية العديد من المستثمرين من القطاع الخاص لفتح فروع لشركاتهم في البلدة القديمة وتوفير السلع بأسعار مخفضة لتشجيع السياحة الداخلية للبلدة القديمة وإبراز جوانب هامة من الاقتصاد الفلسطيني للسائحين الخارجيين.

جانب من المحال التجارية المرممة في سوق القصبة

لقد حرصت لجنة إعمار الخليل على خلق مسار يتمتع زائروه بتجوال في حلقة زاخرة بالعناصر التاريخية والمعمارية ليتعرفوا من خلاله على حضارة هذه البلدة وتاريخها من جهة ، وليشكل بداية الانطلاق نحو تنمية سياحية واقتصادية شاملة تتناسب والمقومات التي تتمتع بها هذه البلدة التاريخية. وقد كانت معصرة النتشة المحطة الأولى ضمن هذا المسار، وهي مبنى تاريخي مميز قامت لجنة إعمار الخليل بترميمها ، كمزار سياحي يحكي تاريخ صناعة استخراج الزيت في الخليل، حيث تم خلال الترميم الحفاظ على جميع العناصر المعمارية والأثرية في المعصرة كشاهد على هذه الصناعة.

الزوايا الصوفية

معصرة النتشة

ومن معصرة النتشة، ينتقل بنا المسار إلى اثنتين من أهم الزوايا الصوفية في الخليل، زاوية الشيخ الشبلي، وزاوية الزاهد، والتي تعكس كل منهما فترة الازدهار العلمي التي عاشتها الخليل خلال الفترة المملوكية والتي كانت محطة لعلماء الدين والشيوخ وطالبي العلم، وحيث قامت لجنة إعمار الخليل في العام 2013 بترميم شامل لهاتين الزاويتين لتكونا مزارا سياحيا يظهر الأهمية العلمية للخليل القديمة، وليتم من خلال عملية الترميم الحفاظ على هذا النمط المميز من العمارة الدينية والذي يعتبر شاهدا حيا على التطور الحضاري لهذه المدينة العريقة.
ومن الزوايا الصوفية إلى نمط آخر من المعاصر التقليدية، يجمع في استخدامه بين الزيتون والسمسم فيعرض لنا مجموعة فريدة من الآليات والمعدات التي كانت تستخدم في تلك الصناعة، والتي بحد ذاتها تحفة أثرية، كان لابد من الحفاظ عليها وإظهارها للأجيال الحالية والقادمة لتتعرف على ما كانت تمتلكه البلدة القديمة من صناعات وتطور اقتصادي، ومن أجل ذلك كله، بذلت لجنة إعمار الخليل جهودا كبيرة في ترميمها والحفاظ على جميع مكونتها وفتحا للزائرين والسائحين
وبعد ذلك، يقودنا المسار السياحي إلى واحدة من اأعرق الحرف التقليدية في الخليل، وهي حرفة السيراميك التي كانت مصدر رزق للكثير من العائلات في الخليل، وتميزت الخليل باستمرارية صناعتها، ولازالت تعتبر حتى الآن مصدرا هاما لدعم اقتصاد المدينة. ومن حرفة السيراميك، نبدأ جولتنا في سوق الخليل التاريخي(حي القصبة) والذي طالما اشتهر بأسواقه المتخصصة وبضائعها المتنوعة، والتي تنشر في الأجواء روائح خاصة تمتزج فيها رائحة العطور والتوابل والحلويات والبخور والقهوة وغيرها، لتضيف لهذا السوق العتيق نكهة وأجواء مميزة يشهد لها كل من زاره. وفي منتصف هذا السوق المزدحم تواجهنا قهوة بدران التاريخية وساحتها الشهيرة، والتي كانت بمثابة دار ندوة لكبار السن وزعماء العائلات في الخليل، فكانوا يلتقون بها ويتبادلون الرأي بخصوص القضايا المختلفة سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية، إضافة لكونها مكانا للترفيه والتسلية وسرد الحكايات والقصص الشعبية، ففي هذه القهوة يستمتع السائح بقسط من الراحة في أجواء تقليدية مميزة.


ويستكمل المسار، ليقف برهة عند معصرة اقنيبي والتي تتميز بطابع خاص، تعرض للسائح نمطا آخرا من معاصر السمسم التقليدية ومنتجاتها، كل هذا وسط العديد من القطع الأثرية والأدوات التقليدية والزي الشعبي الفلسطيني، والتي تشكل في مجملها متحفا شعبيا صغيرا. وقد استخدم المبنى كمعصرة للزيتون في الفترة العثمانية، ثم تحول في فترة الانتداب البريطاني إلى معصرة سمسم ، ويتكون المبنى من قسمين رئيسيين يحتوي كل منهما أحواضا حجرية لعصر السمسم وفرنا لتحميصه، وقد قامت لجنة إعمار الخليل بترميم المعصرة لتكون أحد المعالم السياحية في البلدة القديمة.
وبعد هذه الجولة الغنية بالمواقع المميزة، لازال المسار يحمل لنا الكثير من الكنوز السياحية، حيث ينقلنا الآن إلى احد اقدم حمامات فلسطين، إلى حمام إبراهيم الخليل، فيعود بنا إلى الفترة المملوكية والتي نستطيع قراءتها بوضوح من خلال نمطه المعماري وعناصره المملوكية. وقد قامت لجنة إعمار الخليل في عام 2015 بعملية ترميم شامل للمبنى، حافظت من خلالها على كافة العناصر المعمارية والجمالية في المبنى وحولته إلى مركز لزوار البلدة القديمة، وأوجدت فيه متحفا صغيرا لعرض القطع الأثرية التي تم جمعها من الموقع ومحيطه.

معصرة اقنيبي

ومن حمام الخليل، إلى مربعة سوق اللبن، حيث يقودنا المسار إلى مصنع أرض كنعان للزجاج التقليدي، حيث تعتبر صناعة الزجاج من أكثر الصناعات التي تشتهر بها مدينة الخليل، وللحفاظ على تاريخ هذه الصناعة التقليدية وإظهارها كتراث ثقافي يميز مدينة الخليل، ولتعريف السائحين والوافدين بهذه الحرفة، قامت لجنة إعمار الخليل في العام 2017 بترميم إحدى القاعات المهجورة وتأهيلها لتكون مصنعا للزجاج، يتم من خلاله تصنيع القطع الزجاجية بالطريقة التقليدية لتعريف السائحين والوافدين بالية تصنيع الزجاج التقليدي، حيث يتم صناعته أمام أعينهم وبمهارة عالية. وبعد ذلك يتوجه مسار الإعمار السياحي إلى حديقة الصداقة، ويختتم بأقدس معالم مدينة الخليل "الحرم الإبراهيمي الشريف". وقد رافق عملية إطلاق المسار إصدار البرشورات الخاصة بالمعالم السياحية التي تقع ضمن هذا المسار، إضافة إلى إصدار خارطة بهذا المسار السياحي.

مصنع أرض كنعان للزجاج التقليدي

من حمام إبراهيم الخليل

وضمن مساعيها لتطوير هذا المسار ورفده بالمحطات السياحية قامت لجنة إعمار الخليل بإيجاد متحف الخليل القديمة ليكون مرآة لحضارتها وإرثها الثقافي، وليكون منبرا يحكي للأجيال الحالية والمستقبلية كل ما يتعلق ببلدتهم وذلك من منطلق الحاجة لرفع وعي أفراد المجتمع المحلي وزيادة معرفتهم بتراث بلدتهم وتاريخها وتطورها العمراني والظروف السياسية التي تحيط بها والجهود المبذولة لحماية هذا التراث والحفاظ عليه. كما يلعب المتحف التفسيري دورا هاما في تشجيع السياحة للبلدة القديمة ويعتبر أحد مقوماتها، لذا يستهدف هذا المشروع جميع فئات المجتمع المحلي والدولي . يعتبر المتحف قطعة معمارية فنية نادرة، بمفرداته وعناصره التقليدية ونمطه المعماري والتشكيلات الزخرفية التي يتزين بها. يتكون متحف البلدة القديمة من خمسة فراغات رئيسة، كل منها يتناول جانبا معينا من المدينة، ويسير الزائر في هذه الفراغات وفق متسلسلة واضحة لعرض المعلومات، حيث يستعرض الفراغ الأول المسرد الزمني لمدينة الخليل مقدما معلومات تاريخية مفصله لكل حقبة تاريخية مرت علي المدينة موضحة بالصور والقطع الأثرية الدالة على هذه الحقبة، بعدها ينتقل الزائر إلى غرفة خاصة بالحرم الإبراهيمي الشريف، تستعرض معلومات عن هذا المعلم المقدس من حيث التاريخ والوصف المعماري والآليات المتبعة في ترميمه والحفاظ عليه والمعوقات التي تواجهها عملية ترميمه. بينما يتناول الفراغ الثالث لجنة إعمار الخليل من حيث تأسيسها وأهدافها وخطتها الشاملة وإنجازاتها في الحفاظ على البلدة القديمة وإعادة الحياة اليها، ويتناول الفراغ الرابع عرضا للوضع السياسي لمدينة الخليل والانتهاكات التي يتعرض لها السكان والتراث العمراني على حد سواء، في الختام تقدم الغرفة الخامسة كل ما يتعلق بالحرف التقليدية والتي تمثل جانبا مهما من التراث الثقافي للبلدة القديمة حيث تتناول الحرف الرئيسة كالخزف والزجاج والفخار والنسيج والتطريز مع تمثيل هذه الحرف من خلال عرض بعض المقتنيات لهذه الحرف. هذا ويحوي المتحف على صالة متعددة الأغراض مزودة بشاشة عرض تعرض فيها أفلام خاصة وتقام فيها اللقاءات والندوات، إضافة إلى معرض الآثار الذي يعرض مجموعة من القطع الأثرية التي تمثل تاريخ الخليل.

لقد جاء ترميم المعالم السياحية المذكورة ليترجم على أرض الواقع طموحات لجنة إعمار الخليل في وجود حركة سياحية في البلدة القديمة تتناسب والمقومات التي تتمتع بها البلدة القديمة وبأهميتها كموقع تراث عالمي، بهدف تحقيق تنمية سياحية تساهم في إظهار التراث الثقافي والحضاري للبلدة القديمة من جهة، ومن جهة أخرى تساهم في تحسين الوضع الاقتصادي للبلدة القديمة وسكانها، وتكون وجهة للسائحين والزائرين من مختلف أنحاء العالم. وتنظر لجنة اعمار الخليل الى جهودها في تحقيق تنمية سياحية داعما أساسيا لأهدافها المحددة بالحفاظ على التراث الثقافي للبلدة القديمة الذي يعكس حضارة عريقة لازالت تحتفظ بأدق تفاصيلها الحضرية والمعمارية، بفعل الجهود التي تبذلها لجنة إعمار الخليل في الحفاظ على هذه المكونات الحضارية واعادة الحياة اليها و نقلها للأجيال القادمة بأصالتها ليتمكنوا هم بدورهم من الحفاظ عليها جيلا بعد جيل.


متحف الخليل القديمة